أعمالي, أفكاري

أنا لا أنتمى .. ! – قصّة

دوّت أصوات الجماهير بطريقة مجنونة، مزيج من الصراخ والتصفيق، والممثل ينحني احتراماً لتقدير الجمهور لقدرته على الكذب والخداع والإيهام، من فوق المسرح يسترق بعض النظرات ليُرضي غروره، وترتسم الابتسامة على وجهه، هُناك تلك اللحظة المليئة بالغرور والهوس حاورَ روحٌ تنظر إليه باستخفاف، وقال بتعالي:

      – لماذا أنت جامد هكذا؟ صفّق معهم ولا تقف ..

      – لا، أنت كاذب لن أصفّق لك، وهذه الحشود بلهاء لا تفقه شيء.

      – ماذا تقول، انا كاذب؟ أنا مُمثّل من الطراز النادر، تمكنت من صنع ابتسامة فريدة من نوعها على وجه الجماهير، وفي كلّ مرّة أتلوّن فيها أجد من يصفّق لي.

      – لهذا أنت كاذب، قادر على التلوّن، ولا رأي لك، كلّ ما يكتُبه أستاذك تقرأه علانيه وكأنّه دستور يجب أن تلتزم به!.

      – إنه مبدع يعرف كلّ مستور، ولديه مصادر خفيّة وصِلات عظيمة مع مُختلف شرائح المُجتمع، كما أنّه وطنيٌّ لا يتوقّف عن ذكر الوطن في نصوصه الجميلة.

نظرت إله الروح الغريبة نظرة استهزاء، وأشاحت بوجهها وتلاشت، وعاد هوَ لابتسامته التي أتقنها، إلا أنّه غاص في ذكرياته وحياته السابقة، عندما كان المميّز بين أقرانه بوجهات النظر الجميلة، والرأي الجميل الذي يُسمع ويطبّق في حياة كلّ من لقيه، وغاص في حزن التغيّر إلى حالته الآن وكيف أنّه يلتزم بنص لا يؤمن به!.

الجمهور لا يزال يصفّق، شعر هوَ أنّه إذا استمر بهذا الشكل سيتقوّس ظهره للأبد!، فحاول الارتفاع لينتصب أمام الجموع، إلا أنّه عيناه تلاقت مع الكاتب الأستاذ المخرج الفذ وهوَ يُشير له بالاستمرار، لأن انحناءته من تقنيات احترام الجمهور وأسره -كما أخبره سابقاً-، فعاد ليُكمل الانحناء إلا أنّه أضاف لانحناءته التلويح بيده وبدأ بأخذ خطوات إلى الخلف، إلا أنّ مُعلّمه ضرب بضربة قوّية بقدمه على الأرض ليُنبهه على أن هذه الحركة مُحرّمة الآن، لا تُكملها!، فتوقّف ورفع رأسه ببطء شديد وظهرت الروح مُجدداً وهاجمته قائله:

      – ها أنتَ كالعبد المُكبّل، لا تقدر على التحرّك، يمكنني أن أضيف هذا اللقب لقائمة ألقابك، أنتَ عبدٌ لإنسان آخر!.

      – لا أنا من ينحني فهذا الجمهور الراقي الذي لا يزال يصفّق بحرارة، وأنا الأوحد على هذا المسرح فيجب أن أبقى فترة من الزمن لأرد لهم جميل التصفيق هذا.

      – لماذا إذن تنتظر أوامر سيّدك، أنت حُر، تحرّك كما أردت أنت لا كما أراد هوَ، ارجع واختفي خلف الكواليس، لأنّك قد تكسر ظهرك بهكذا انحناءة! وأنت تعلم بأنّ وزنك الذي أخذ بالازدياد خلال الفترة الماضية أصبح يشكّل ثقلاً رهيباً على عمودك الفقري.

      – ابتعد اختفي فأنا البطل (المونودرامي) الذي شهد له الجميع بالصبر والجلد على أقسى التمارين.

      – نعم بعد أن ضربت كلّ من حولك، وأقصيتهم باحثاً عن رضا سيّدك و…

      – توقّف عن ذكر المُخرج بهكذا طريقة، إنه مبدع وكفى.

      – أنت مجنونٌ لا يعلم بأنّ المُخرج الآن يسعى لتدميرك، لأنه اكتشف صديقاً جديداً، يمتلك قدرة على خداع الجمهور واقناعه بمستوى أفضل من مستواك وتحصّل على ثقته خلال فترة سفرك في عالمك المثالي، لهذا هوَ يريدك أن تكون أضحوكة، ليتمكن من سحقك وسحقك عالمك.

ودون سابق انذار أخذ الجمهور بالتوقّف عن التصفيق وأصدروا صوتاً غريباً

(بووووووو)

وكأنّهم يقولون له ارحل عن ميدان الثقافة والجمال، وتعالت الإشارات اليدوية مُعلنة كراهيته!، وهوَ غير قادر على تقويم ظهره!، وجّه سمعه بين الحشود، فوجد من يقول “ارحل عن الخشبة أيّها المغرور المُتعالي”، “ارحل أيها الكاذب، أنت مُخادع تبحث عن التصفيق”، “ارحل يا جبان” … !

سقط على الأرض، صرخ (آآآخ) وسارع الكاتب والمخرج بالركض إلى خارج المسرح هارباً، وبدأ الناس بالصعود إلى المسرح لحمل الممثل البائس، واكتشفوا أن ظهره قد كُسر، فتركوه في مكانه ورحلوا.

 فأخذ يصرخ .. “تعالوا .. أنا لا أنتمي إلا لكم، بعتُ كلّ انتماءاتي من أجلكم، لا تتركوني وحيداً هُنا”.

انتهى.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..