أفكاري

مرآتي ..

 
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي الزهراء محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

 
قبل ساعات فقط تنبّهت لأمر كان يحدث لي باستمرار وتدفقاته الدائمة التي تكون بقوّة حامض الليمون على معدة خالية!، هوَ لا يأتي دفعة واحدة بل نتجرّعه جرعةً تلو الأخرى، وأحياناً نشعر برغبة إرتشاف شيء منه علّنا نبُلّ أرواحنا العتيقة، ونُشعِرها بشيء من الحنان والحُب والأمل.


سأفارق الذين أحبّهم والذين أتعارك معهم يومياً، سواء كنت أرغب بذلك أو لم أرغب، فرائحة الموت تطغى على الدنيا، لا نشتّمها إلا في حالاتنا الغريبة، فبعد سنين من البحث عن الحكمة الضائعة والسر الذي دفن بين أضاليع حكماء العالم، وجدت شيئاً يُدعى التفكّر بالموت وإلى الموت!، لست أدري ما الذي جعلني أتفكّر كثيراً في الفترة الماضية بهذه الفكرة العظيمة، لم أتوقّف لحظة ما، فتارة ما أجد كلمة على جدار صفحة إلكترونية عقّب فيها صديقي مُحمّد وعبّر فيها عن الصلاة وكيفية أدائها بـ [ صلاة مودّع ]، وعيني تقفز على صحيفة ورقية وأجد فيها [ البقية لله ] وحورات التعزية التي اعتادها المُجتمع، وكأن التجاهل هوَ الوسيلة الأسمى للفرار من الموت!، ولكن السؤال الذي يصنع شيئاً من التفكير، هل للموت سبيل لدفن المشاعر؟ أم هوَ طريقة لتفجير الإحساس؟.


أزور تلك المقبرة وأنظر إلى ما في القبور من آهات ورغبات ولوعة، وحب وأمل وسعادة وكل تناقضات الحياة، والعودة إلى الأرض هي حكاية الحَكايا، في كل زاوية من زوايا أجسادهم تجد التراب أعلن إحتلاله وأصبح يغطّي العينين ويملأ الأفواه بكل شغف وكأن الإنتقام قد حان موعده، فذنوبهم التي صالوا فيها وجالوا على صدر الأرض وبين بواطن البيوت المترامية فوق سطحها، لم ينظر إليها سوى هيَ أمنا الأرض كما في بعض الثقافات!.


مرآتي دوماً تحدّثني وتنبئني بأني راحل لا محالة، لا أجد مفرّاً من الحديث معها حول ما إذا كنت أتمكن من الرحيل الآن وليس غداً، لكنّها تُهددني وتنظر إليّ بغضب، وتأمرني بتطهير ذاتي وروحي من شوائب لا تزال عالقة فيها، وتصنع منّي وحشاً ضارياً مُتحرّكاً في ميدان الدنيا، لا إنساناً تملأ يداه لون أحمر من ذنوبه التي لا تعرف طريقاً لجنّة الخُلد!، وتسألني دوماً، كيف تصافح الصالحين؟ ولست أجيب عن هذا السؤال، فهوَ سؤال قاتل، يصنع منّي ذليلاً مقهوراً، لا يعرف طريقاً لتطهير روحه التي تزخر بشارات وعلامات من الضباب!، قيدٌ من وجع يكبّلني يا مرآتي، وخوفٌ من قلبي يعتصر عقلي.


كلماتي تستولد نفسها وكأنها مُستنسخة!، وحروفي تقطنني وتغادر متى ما شاءت ومتى ما رغبت، وتُعلن حالة الثورة الدائمة على يداي الذابلتان، عُذراً فقريباً سأُغَلَّف بقطعة قماشية أنزَوي بينها عارياً خائفاً وحيداً ألعق التراب وأبحث عن الماء، وأنظر يميناً وشمالاً وأجد ذنبي ينظر إليّ شاهراً سيفه يؤنبني ويرغب بتمزيقي، والظلام يُكرر نفسه بكل دقّه والنور يحاول جاهداً أن يحقن الظلام بحقنة النور إلا أنّ الظلام يحل بسرعة ولا يولد كما تولد الشمس، بل هوَ يَهبط من عاليَ السماء ويقتاد حبال النور ليدفنها في لحدٍ أرضي، ونجومه لا تطغى عليه، بل هو يبقى مسيطراً عليها ولا تنفذ من جبروته سوى بعض الثائرات الهاربات من طيشه.

نهاب الموت لأننا نبحث عن الحياة، كم هوَ سيء أن نبقى حبيسي هذه الدنيا بجميع جوارحنا.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأيان حول “مرآتي ..”

  1. ذات ... يقول:

    بلفعل مصير محتوم ورحلة مرعبه ..

    نسأل الله السلامه …):

  2. Designer يقول:

    تشبة مرآتي التي .. اصحبها معي في كل مكان
    دائما اتكلم عن الموت .. قيل اني متشائمه ..
    فقط لاني ذكرت القبر امامهم ..

    تلك الكلمات تشبهني .. أو ربما تتشبة بأحساسي .. وشعوري ..

    🙂 ..

ضع تعقيباً ..