ذكرياتي, في العمل الرسالي

رحمة الرّب – مذكرات 2

 

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم

أكمل معكم سلسلة “مذكراتي في العمل الشبابي” وهذا الجزء أتأخر فيه لأنني حضرت إلى حفل زفافي وكنت مشغولاً بترتيبات، شكراً لكل من حضر وشكراً لكل من اتصل واعتذر، وموفقين جميعاً في حياتكم.

العمل الشبابي، ليس قلعة حصينة أو مدينة فاضلة، بل في ساحات المشكلات التي تحصل في المجتمع المحيط به، وتمزّقه في كثير من الأحيان، وتكون رؤيته في بعض الأحيان قاصرة فيستعين بالخبرات الخارجية، وهذا لا يعيبه، لكنّ هذا العمل يفتخر أقلّةً بالمُحاولة للإصلاح، حتّى وإن اختلف معه البقية، فلا يوجد تجمّع أو مجموعة لا يكون فيها سلبيات وأخطاء، ولكن لنحاول النظر إلى الجانب الإيجابي المُميّز في كل من المؤسسات والمراكز والتجمعات والمجموعات الشبابية في الكويت، هل هي حقاً بعيدة كل البعد عن المُحاولة؟!، أنا أراها مميّزة في المحاولة، وأتمنّى لهم الاستمرار.

[3]

يُمكنني أن أقول بأنّ مرحلة ما بعد الإنتخابات العامّة في مؤسسة الرقيم كانت المرحلة الأهم بعد مرحلة التأسيس البسيطة التي خضتها في حياتي، على الرغم من المشاكل التي صاحبت الإنتخابات آنذاك، ومن المشكلات التي أحاطت بالإنتخابات هي نسيان البعض المبلغ المالي المُخصص للتسجيل والتصويت، وكانت هذه المبالغ التي تدفع تصرف على الأنشطة عموماً كالهيئات والأنشطة الثقافية التوعوية والرياضية وغيرها، أذكر المبلغ كان للكبار 20 ديناراً وللصغار 10 دنانير إن لم أكن مخطئاً، وحصلت بعض المشادّات وانقسم الشباب إلى فرق صغيرة، وفعلاً هذه المجاميع الصغيرة قادت الإنتخابات بجدارة، وبعد هذا العرس الديموقراطي كما يسمّونه، كانت المرحلة الإدارية الأولى التي أخوضها في غمار هذا العمل.

في أولى الإجتماعات كنت مُشاهداً ومُستمعاً جيّداً، كنت أحاول الحصول على أكبر قدر من المعلومات والخبرات المُتاحة أمامي، ففي مجلس الإدارة كان هناك العديد من العقول وكانوا د.سلمان الخضاري ود.عبدالعزيز أشكناني وطالب الشريف وبوعلي جمال وفاخر السلطان ود.ياسر رمضان ومحمد صرخوه وعبدالله الخضاري والفريق المُنتخب الذي ذكرته في التدوينة السابقة، وحقيقة على الرغم من الإختلاف الكبير الذي اكتشفته بعد سنتين من العمل مع هذه المجموعة إلا أنني استفدت كثيراً، الحوارات غالباً ما كانت راقية، وفي بعض الأحيان كنت أشاهد الأعضاء يتقاتلون من أجل قرار، وبعد أن كبرت وعرفت أسرار وخبايا العمل عرفت أنّ هذه القرارات كانت مصيرية في الكثير من الأحيان!.

النصيحة التي غيّرت أسلوبي في الإدارة كانت كلمة عابرة أطلقها الشيخ حسن البلوشي دون أن يعلم!، كانت هيَ الطريق لي في معارضة الأفكار التي لا توافق فطرتي وأفكاري التي اكتسبتها مسبقاً وكوّنتها –التي كثيراً ما توقعني في مشاكل!- المُهم هي الكلمة التي كانت “سمعت إنكم ما تعارضون كلّه موافقين، شدعوة شنو ما عندكم رأي؟ ولا بس دشيتوا الإدارة علشان إسمها إدارة؟” حقيقة هذا السؤال يدعو للتفكير، فللأسف الكثير من الشباب في العمل الشبابي منذ أيّام مؤسسة الرقيم كانوا مُجرّد تكملة عدد وهُم حشد جماهيري فقط، أمّا في الحوار والنقاش وطرح الرأي فهُم لا يتجرؤون على شيء، وقد تكون هذه الأسباب راجعة لمن ركّز فكرة السمع والطاعة فقط! وعدم طرح الآراء والتفتّح.

[4]

في تلك الفترة كانت الرحلات قويّة جداً، وكانت الهيئات الفعلية تقام في السيّارات لا في الديوانيات والمراكز، بل كلّ الهيئة تتمحور حول (الإنسان) الذي يدير هذه الهيئة بطريقته!، فكنّا نلاحظ تطوّر البعض وهبوط مستوى البعض بعد أن كان مؤملاً له أن تنفجر مواهبه خلال سنة!، نعم كانت الفكرة الأساسية هي اكتشاف مواهب الشباب وتطويرها عبر البرامج، فعلى سبيل المثال إنّ أوّل مكان حاولت إلقاء كلمة فيه هي هيئة مبارك الكبير ولا أذكر ما هي الكلمة الآن، ولكنّها كانت مليئة بالإرتباك والخوف وكانت مدتها خمسة دقائق فقط!، وبعدها بدأ الشباب بتطويري وكان يدير هذه الهيئة الشيخ حسن البلوشي، لنعود معكم أيّها القرّاء إلى رحلة من الرحلات كانت إلى مرزعة جميلة جداً في منطقة الفنطاس، وكان أمامها ملعباً لكرة القدم، وفي داخلها شاليه مقسّم لغرف متعددة للنوم، وملعب طائرة في وسط المزرعة، وفي هذه الرحلة كان النشاط الرياضي عبارة عن بطولة كرة قدم، وفي ذلك اللعب دخلت حرباً لم تكن بالحسبان فأذكر أني [حذفت] صديقي وحبيبي محمد سامي بشيء لا أحب ذكره لكم هنا، وكادت أن تقح مقتلة عظيمة بين أحبابي آل البلوشي وبيني، حقاً إنها أيّام لا يمكنني نسيانها، وللعلم خسرت في البطولة في المباراة النهائية من فريق صديقي محمّد، وفي الليل تصالحنا بفضل العقلاء في ذلك اليوم، وإلى هذه اللحظة هذا الولد من أصدقائي الذين أكنْ لهم كامل الحب والتقدير.

في تلك الرحلة كانت هناك محاضرات دينية وتربوية، وسأخبركم بحقيقة قد لا ترغبون بسماعها جميعاً، العاملين في العمل الشبابي والهاربين منه والذين يودعون أبناءهم في هذا العمل، هل تعلمون بأنني وبقية الأصدقاء كثيراً ما كنّا نشعر بالملل ونحاول الهروب وخلق أجواء للضحك واللعب في وسط المحاضرة وكنّا نحاول جعل المحاضر يقف عند حدّه ولا يكمل المحاضرة، نعم هذه حقيقة وإلى لحظة هذه الكتابة أرى نفس نوعيتي في التعاطي مع المحاضرات في أيّ مجال!، كنت أرمي بعض الأوراق على بعض الأصدقاء وكنت أغمز بعيني لبعضهم لإصدار بعض الأصوات والصفير، نعم كنّا مشاغبين، بل كنّا مجانين!، كنّا نتعارك في الصباح ونبكي لفراق بعضنا البعض ليلاً، الهواتف لم تكن متواجدة بكثرة، فرؤية الأصدقاء كانت تحمل لذّة لا مثيل لها، ولكن هذه المحاضرات التي أخبركم عنها كان من يقدّمها لنا مميّزاً جداً لدرجة أنّه كان يتمكن من السيطرة علينا وإبقائنا تحت وقع كلماته، وغالباً ما تكون المواضيع في البداية تتعلّق حول أصول الدين الخمسة: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، الميعاد، وبعض الأمور الإجتماعية التي تخص حياتنا في المجتمع بشكل عام، الإستفادة الكُبرى كانت في بدايات المرحلة المتوسطة إلى نهايتها، فلم تكن هناك معوقات وتعقيدات فكرية تعوق العقل عن التطوّر السريع.

نعم هناك أخطاء كثيرة كانت تحصل ولكن سرعان ما كنّا نكتشف هذه الأخطاء بسبب جماعيتنا، وروعة الروح التي أوجدها القادة، حتّى وإن كان هناك تنافس شديد، إلا أنّ هذا التنافس وإن خرج في بعض المرات عن أخلاقيات العمل الشبابي الإسلامي، إلا أنّه سرعان ما يعود إلى الطريق السليم، ويقود دفّة العمل إلى التطوّر والتوسع والمحاولة.

[5]

المُخيّم الأوّل بعد الدخول إلى الإدارة، أذكر منه الكثير من الأسماء وقد أغفل عن ذكر بعضهم لنسياني فعذراً يا أصدقاء، ولكن المعلومة الجميلة هي أننا كنّا في فئة الشبيبة وكان عددنا كبيراً فكان الشباب يسمّونا الديدان، وكنّا نطلق عليهم لقباً لا أحب ذكره هنا، المُهم في هذا المخيم كنتُ محط أنظار الجميع، فقد كنت مميّزاً بحضوري اليومي وصراخي ولعبي، في هذا المخيّم تعرّفت على الشباب عموماً وبشكل مجنون ففي هذا المكان تعّرفت فعلياً على عبدالله زكريا وهاني الشريف ويوسف الشريف ومحمد الشريف – أذكر أنّه عوقب في أحد المخيمات بعد بدئه الهجوم على مخيّم الشباب الذي كان يديره أخيه طالب الشريف-، وكانت لدينا مجموعة كنّا نسميهم القرعان وهذه المجموعة كانت مميّزة جداً فهُم كانوا يقومون بعمل حركة جماعية في كل عام، فعلى سبيل المثال أوّل سنة حضروا كانوا جميعاً (حليقي الرؤوس) وفي السنة الثانية كانوا جميعاً يرتدون ذلك –السروال المقلّم- وكان منظرهم مُضحكاً، للأسف لا أذكر أسماءهم أبداً!، وفي سنة من السنوات كان هناك شخص سميناه نوّاف الحمش وكان هناك مقلب كبير شارك في الجميع ضد هذه المجموعة المتمردة، فقد كان نوّاف يدعي المرض والإنفصال عن شخصية للحظات، وفي أحد اللحظات جعل هذه المجموعة كلّها تنشد السلام الوطني بصوت عالي، وكانوا يقومون بالإنشاد بطريقة جماعية وكأنهم في مدرسة. وأيضاً قام نوّاف باللحاق بـ محمد عاشور من المخيم إلى مكان قريب من خط المطلاع! وكأنه سباق!، على ذكر محمّد لازلت أتذكر اللحظة التي كان فيها قائداً للجنة البقالة، وكعادة العالم في الليل ينامون، وفي الصباح ينهضون لأداء المهام الموكلة إليهم، المفاجأة التي كانت هي هرب خيمة محمّد إلى مكان مجهول وكان نائماً ولا يشعر بشيء، سوى أنّه شاهد نفسه في العراء!، ولا أنسى معاقبة حمد العيدان مع عبدالله زكريا زحفاً في المخيم بلا ملابس تحمي صدورهم، وأذكر أنّ أحدهم ربط بسارية العلم وكان الماء صديق جسمه، وكيف كان عقيل يحاول الهرب من المحاضرات عبر جلوسه [أعزّكم الله وأعزّه] في الحمام!، ولازلت أذكر علي باقر ومحمد باقر وكيف كانوا يقومون بمهام خطرة وكبيرة، وكثيراً ما كنت هناك نقاشات جميلة في المخيم.

 أذكر أننا في آخر يوم في المخيم كنّا ننتظر المفاجآت من القادة ففي سنة من السنوات شاهدنا فيلماً بشاشة عملاقة جداً ومكبّرات صوتية جميلة تحيط بالمخيّم وأخذنا (سليباقاتنا ) إلى الصحراء والرمال لنكون مستلقين على ظهرنا لنشاهد الفيلم باستمتاع!، – نعم شاهدنا فيلماً هناك! – وأذكر أنّ الشاب محمد النجّار هو الذي كان بجانبي وفي بعض لحظات الملل كنّا نخرج عن الأجواء ونبدأ  بالحديث عن أمور حصلت في المخيّم، نعم إنّ آخر يوم كان دائماً بالنسبة لي هوَ يوم البكاء على رحيل تلك الأيّام العظيمة التي عشتها، فلم أكن ولازلت لا أحب لحظات الفراق، على الرغم من التكنولوجيا الحديثة التي ساعدتنا كثيراً على التقارب الإلكتروني إلا أنّ الأرواح ولقاء الأعين له طعم آخر.

أمّا أحد أكثر المخيمات التي علقت بذهني في فترة مؤسسة الرقيم فهوَ المخيّم الأخير الذي توقّفت بعده الحياة!، فلم نكن ننام في خيمة!، بل كنّا ننام في شاليهات! ولا أذكر السبب الذي قادنا لهذا الحل، وكان الكبار ينامون في خيمة عملاقة، وكانت هناك أحداث كثيرة منها أنني بكيت فرحاً وحزناً .. ! وضاع أحدهم منّا في هذا المخيم!.

البقية تتبع ..
يوم الخميس القادم إن شاء الله ..

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

‏3 رأي حول “رحمة الرّب – مذكرات 2”

  1. سأنتظر جميع الحلقات ثم ـ ربما ـ أعلق على بعضهاً كـ”شاهد” على المذكرات . . لكن اسمح لي أن أقول لك: أنك تتمتع بذاكرة “مبهرة” . .

    واصل . . فكأني أرى شريطاً يعاد أمامي . .

    بالمناسبة لو سنحت لي الفرصة ـ لربما ـ أكشف بعض المستور عن تلك الأيام أو لربما أتركها في “صدور الذاكرين”

    والله ولي التوفيق . . .

    1. Hussain Almatrouk يقول:

      أهلاً بكَ أستاذي المبدع،
      ترقّب فإني أعرف بعض المستور، وقد أكشفه أيضاً في الحلقة القادمة.

      إذا كنت تمتلك صوراً من تلك الفترة فأتمنّى أن أزوّد بها، فإنّي أعتز بهذه الفترة كثيراً.

ضع تعقيباً ..