أفكاري

– 1 – ما الهدف ؟


بسم الله الرحمن الرحيم

فطرة الإنسان دائماً هي صحيحة وعندما أنزل الله تعالى القرآن الكريم والأحكام السماوية لم يكن إلا ليذكر الإنسان بفطرته ليثير مكامن الفطرة الإنسانية النائمة فينا كما قال رب الجلال لرسولنا الأعظم (ص) : ” [ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ] (1) فالقرآن ليس دخيلاً أو وضع للسيطرة على البشرية بل هو لتنقية الجسم والعقل البشري من الشوائب التي علقت فيه خلال رحلته في هذه الدُنيا.

أولاً

مُيّز الإنسان بأداوات وطاقات وأجهزة لا نجدها في سائر المخلوقات وبقيّة الكائنات الأخرى، والأبرز من بين هذه الأدوات على الإطلاق هو العقل الذي تفتقر إليه الكائنات الأخرى التي تسير على غرائزها، ولكن التساؤل الذي يطرح ذاته هو لماذا أودع الله العقل فينا؟، من البديهي القول بأن الجهاز الأكثر تعقيداً يكون مأمولاً منه وظائف أكثر وأكبر حجماً من الأجهزة البسيطة وقد تكون أكثر أهمية من غيرها فعلى سبيل المثال السيّارة أقل تعقيداً من الطائرة والطائرة أقل تعقيداً من السفينة الفضائية، كذلك الإنسان هو الأكثر تعقيداً من بين سائر الكائنات وذلك لدوره المُهم والخطير جداً في الحياة وعظيم في ذات الوقت.

ثانياً

الإنسان يحمل مسؤولية كبيرة جداً فكل الأشياء في خدمة الإنسان فلو نلاحظ الجمادات في خدمة النباتات والنباتات في خدمة الحيوانات والحيوانات في خدمة الإنسان، فالإنسان ماذا سيخدم ؟ وكيف سيخدم؟ هي تساؤلات يطرحها العقل الباحث عن أداء دور حقيقي في العالم، لا مجرّد فرقعات إعلامية وهلامية خاوية .. فالتسلسل يخدمك وأنت تخدم من؟

ثالثاً

الإنسان يشترك مع الأشياء ببعض الأمور فعلى سبيل المثال يشترك مع الجماد بالوزن والكتلة التي تخضع لقوانين الجاذبية ويشارك النباتات في النمو فالنبات أيضاً يبدأ صغيراً ويكبر ليكون شجراً والإنسان يبدأ نطفة ومن ثم يكون إنساناً ويشترك مع الحيوان بالغرائز كالأكل والشرب والتناسل والنوم .. فهل هذه هي وظيفة الإنسان فقط تتلخص في هذا المقدار من الحياة وتشاركه مع بقيّة الكائنات فيما يمتلكون أم هناك أمراً مختلفاً؟

رابعاً

للإنسان قوتين : قوّة الجسد وقوّة العقل ، القوة الجسدية عبارة عن مجموعة من الغرائز والقوى البدنية والمادية وهذه القوّة تستمر في نشاط مبدع وخلّاق إلى سن معينة [ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ] (2) وكما يقول الله عزّ وجل بأن القوّة هذه تنتكس بعد فترة من العُمر في هذه الدنيا فيصيب الإنسان التقهقر وتنحدر قوّاه الجسدية ويغزوه الشيب [ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ] (3) وهذا دليلٌ آخر من القرآن على ضعف الإنسان الجسدي بعد سن معينة وعلى العكس من ذلك الأمر وهذا الضعف الذي يعانيه الإنسان عندما يتخطّى مرحلة من عُمره فالقوة العقلية تزدهر وتصبح طاقة متقدة ومشتعلة بقوّة ولو تتبعنا سيرة الأنبياء وعلى الأخص أولوا العزم عليهم السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم لشاهدنا بأن الله بعثهم في سن الأربعين بإستثناء سيدنا عيسى عليه السلام الذي رفعه الله إليه وهو إبن ثلاث وثلاثين على أكثر الروايات. وقد أشار القرآن كذلك لحقيقة القوّة العقلية [ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ] (4) استوى هي إشارة إلى رجاحة العقل وهذا لا يعني بأن الإنسان لا يمتلك العقل أو الحكمة قبل سن الأربعين فالنضوج يبدأ منذ بدايات المراهقة في الفترة الزمنية ما بين العمر الخامس والسادس عشر ولكن العقل هنا يبدأ برحلة تكاملية تراكمية يجمع فيها ما يمكنه جمعه ولكن لمَ هذه القوة التكاملية والمبدعة الجبّارة التي أودعها الله فينا؟

خامساً

الكل يدخل إلى هذه الدنيا عاري ويخرج منها عاري فالحياة ليست لخلود الإنسان أو كما تصوّر الأفلام بقصص مصاصي الدماء بأنهم خالدين، فالحياة الدنيا لا تمتلك صفة الخلود وحتّى الخضر عليه السلام سيموت في يوم ما وحتّى مولانا صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف سيرحل عن هذه الدنيا بعد ظهوره المقدس وإعلان دولة العدالة، وليس الهدف من هذه الدنياً أيضاً جمع المال وإلا لجمع الإمام علي عليه السلام أموالاً طائلة ولم يقل هذه الكلمة إعتباطاً [ يا صفراء ويا بيضاء غرّي غيري ] كما أنه طلّق الدنيا ثلاثاً لا رجعة فيها! فما هو السبب إذاً لوجودنا هنا في هذه الحياة ؟ إذا كانت هي إلى الفناء فما هو المطلوب مِنّا إذاً ؟


————————————————



(1)- سورة الغاشية، آية 21
(2)- سورة يــس، آية 68
(3)- سورة مريم، آية 4
(4)- سورة القصص، آية 14
××
يتبع ،،
مستحوى من محاضرات الشيخ عبدالحميد المهاجر حفظه الله

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

‏3 رأي حول “– 1 – ما الهدف ؟”

  1. بعثرات قلم يقول:

    سبحانك يالله
    بالفعل لو تفكرنا قليلا لأحاطتنا ملايين الاسئلة التي تدل على عظمة المولى
    فهو القائل :
    (وما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون)
    طرح رائع
    ننتظر البقية
    دمت بخير

  2. ][ يـا عـلـي ][ يقول:

    بسم الله الرحمن الرحيم ,

    أحسنت أخاه على مادونت لنا ,
    حمداً لله على النعم التي أنعمها علينا ..

    حفظ الله الشيج المهاجر من كل سوء ..

    نـنـتـظـر >>>

    موفق لكل خـبر إن شاء الله .

  3. مهدي سردار يقول:

    حقيقة يقف الإنسان وقفة إحترام وإعجاب أمام هذا القلم الرائع الذي تحتضنه يد رائعة صاحبها الكاتب المبدع حسين المتروك، ومهما كتبنا من تعليقات فلن نستطيع أن نوفي مقالات الأخ بوعلي حقها …

    سلمت يداك ووفقك الله في الدنيا والآخرة بحق محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم) …

ضع تعقيباً ..