خواطري

ليتها ليلةً لم تكتمل

-1-

ليتها ليلة لم تكتمل، ليتني أوقَدت الشموع لحين انفجار شمس الصباح، هذه ليلة تضيق بكُل شيء إلا الدِماء، ليلتها لم تكتمل، ليتني كُنت قادراً على تصفيد الظلام ليكون سرمدياً، ليتني كُنت قادراً على الطواف في أزقّة الكوفة أصقل أناملي علّها تَجد اللعين يهرول خوفاً فأمسُكُ به مُغيراً أقدارنا، ليتني كُنت قادراً على كُل هذا إلا أنّها المشيئة العُظمى،

أفكاري

على حبلٍ أسير

يقول الفّذ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): “قُرِنَت الهيبة بالخيبة، والحياءُ بالحِرمان، والفرصَةً تمرُّ مرّ السحاب، فانتهزوا فُرص الخير”.

عندما يتحدّث أمير المؤمنين فعليّ الإصغاء، كُلّما استندت إلى جدار اليأس أفتحُ كِتاباً بحثاً عن كلمة تُعيد ترميم شتاتي، أبحث عن الكاف والنون التي تُحرّكني مُجدداً، فالقيد الذي طوّقني لا يوجد ما يَكسره سوى كلمة. وما أحلاه من تَحرّر إذا ما كانت الكلمة التي تبثّ الحياة فيّ مُجدداً صادرة عن المُعلم الأكبر ابن أبي طالب (عليه السلام).

أفكاري

بكت فأبكت

تحرّكت عجلة الرفض العُظمى لكل طغيان منذُ أن “عصروها”، وأنبتَ العَصر “كسراً” يُسمع صوتُه إلى هذا اليوم، دارت الرحى، وهُتِكَت من كانتَ “يرضى الله لرضاها”، عِلة الإيجاد رفعت الراية وصاحت “اعلموا أنّي فاطمة”. رفضَت كُل شيء يسلخ الاسلام، كُل شيء يُدخِل المسلمين في حِيرة، أعلنت رفضها لكُل ابتداع يقود الأمّة إلى الهلاك، فصارت “ساخطة” من هيَ “لولا فاطمة لما خلقتكما”. 

أفكاري

يتيماً وآواه ..

أوّل من أحب النَبيّ في عالم الدُنيا، وأوّل من احتمت بكنفه الشريعة الإسلامية، هو الشخص الذي عندما ضاقت الأرض بالنبّي الأعظم (صلى الله عليه وآله) فتح أحضانه وعيونه الدافئة لتكون ملاذاً آمناً له من مكر كفّار قُريش وطُغيانهم، هوَ أحد الأسباب الظاهرة في بقاء رسولنا الكريم (ص) حيّاً لينشر راية الحق، كان عَالماً من الحنان، ودُنيا من الإيمان، أهدى لمُحمّد بن عبدالله (صلوات الله عليه) أماناً فُقِدَ برحيله، لم يَكن رجلاً عادياً، لم يكُن مُجرّد عَمْ، إنه الرجل العارف المؤمن القويّ الثابت في مبادئه، شيخ البحطاء وزعيم هاشم أبوطالب (عليه السلام).

هذا الإنسان الذي دافع عن الإسلام بكلّ قواه، فلا يمكنك أن تقرأ تاريخ ما قبل البعثة حتّى تجد اسم (أبوطالب) حاضراً وبقوّة في جميع الذكريات، فلم يَكنْ إلا مؤمناً بالنبي (ص) يظهر في جميع الأوقات التي حاولت فيها عصابات قُريش قتل الرسول الأعظم (ص)، فها هوَ الشِعب الشهير يتخّذ من أبي طالب اسماً له!، حتّى عُرف الشِعب بـ (شعب أبي طالب)، في هذا المكان عاش بني هاشم بحالة من الترقّب بعد أن قاطعتم القبائل والحصار اشتد عليهم، حتّى شدّت أحجار المجاعة على بطون عشيرة النبي (ص)، وكان العَم الحنون يخاف طيش فتية قُريش فكان يُبدّل مكان نوم حبيبنا مُحمّد (ص) بأحد بنيه وهوَ علي (عليه السلام)، وانتهت سنين الحصار بإظهار الحق فكان قوله “إنّ ابن أخي قد أخبرني -ولم يكذّبني قط- أنّ الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة”، إنه الشخصية التي أبت أن تكفر بمُحمّد بن عبدالله (ص) طُرفة عين، آمن به وبصدق كلماته، ولم يترك للكفّار لحظة عبث برجل الإسلام والدين الحق.

هجمات مُستمرّة يحاول فيها رؤوس الكُفر قتل الرسالة في مهدها، فمصالح الكفّار في نهاية الأمر ستُفنى! -إنها دوماً المصالح المالية والسيادية التي تعني الطُغاة- إذا ما ظهر الإسلام واعتنقت جزيرة العرب هذا الدين الجديد عليهم، لكنّ خطّ الدفاع الأوّل كان سيّد هاشم (عمران) الكافل الأمين للرسول الأمين (ص)، فتارة يحاولون اهداءه (عمارة بن الوليد) وهوَ من أجمل فتيان قريش ليُهدي لهم مُحمّد (ص) ويرفض بقطع دون اختلاجات نفسية تتغلغل في صدره: “أتعطونني ابنكم أغذيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبداً”.

أستغرب أن يكون هذا المُحامي (كافراً) في نظر البعض!، ومن أسلم بالوكز والخوف من أن يُدق عُنقه كأبوسفيان يكون مؤمناً ويكون ابنه أمير المؤمنين!، فعلاً لابُدّ لنا من وقفة جادة مع تاريخ مؤمن قُريش العظيم أبوطالب، ففي تاريخه ستجدون الكثير من الأحداث وتعرفون رؤوس الكفر ماذا صنعوا في حياته وماذا صنعوا بعد رحيله إلى جنان الخُلد، إنه الذي وجد النبي يتيماً فآواه، أيكون حقاً في -النار- والعياذ بالله؟.

في اليوم السابع من شهر رمضان في عام الحُزن، رحل أحد العُظماء الذين دافعوا بشكل شرس عن الإسلام ورمزه الأعظم مُحمّد صلى الله عليه وآله، وتركَ للإسلام أربعة لا مثيل لهم: طالب، وجعفر، وعقيل، وأمير المؤمنين والفاروق الأعظم والصدّيق الأكبر الإمام علي .. عليهم جميعاً منّي السلام، لم يترك أبوطالب ابن عمّه وحيداً في ساحة الحياة، وإنما وصل جناحه بجعفر وعليّ، إنّه الشخص الأكثر تأثيراً في مسيرة انطلاق الإسلام.

عظّم الله لكم الأجر جميعاً في ذكرى رحيل أبوطالب بن عبدالمطلب، والسلامُ عليه إلى يوم البعث.