365

(23) بُنَيّ لن يُخبروك

أعلم بأنني لم أكتب لكَ مُنذُ وِلادتك، أعلم بأنّ الكِتابة إليكَ صعبة جداً. فأنتَ وصلت إلى عائلتي الصغيرة وبرفقتك كُل الحُب والحنان، ومُحاطٌ بجمعٍ يعشقُ الإحساس بوجودك، أنتَ هِبة الله لنا، أنتَ الذي انتقل من عالمٍ ليكون في عالمنا هذا، أنتَ صغيري الذي جاء من مكانٍ بعيد، وصلتَ إلينا بعد رحلة امتدت سنيناً أجهلها، أنتَ اليوم أكملت عاماً فوق هذه الأرض وإليكَ يا بُنيّ بعض الأمور التي قد لا يخبرك بها الرفاق، وقد أغفل عنها أنا لاحقاً، أنا راحلٌ شئتَ أم أبيت، وهذا إرثي إليك يا حبيبي وصديقي وصغيري وعضيدي الصغير “مُحمّد”.

365

(22) عمليّة خَطرة لكنّها مُمتعة

في عالم القراءة أنت تتعامل مع أخطر ما يُمكن لك أن تتعامل معه، أنتَ تدخل في حقلِ الأفكار، في مُحيط متفجّراتٍ حيّة بانتظار فهمك لها، وقطفك لها. ليست القراءة طيّبة جداً كما يُصوّر البعض أو حتّى يُفهم من كلامي في بعض الأحيان، إنّ القراءة مُحيط مُدهش لكنّه مُخيف، قد تطّلع على فِكرة تسلبُك النوم، وتُدخلك عالماً أنتَ في غِنى عنه. وعلى الرُغم من كُل هذا إلا أنّه يُمكنني الزعم أنّها العملية الأكثر قُوّة في صناعة الشخصية، والأكثر أماناً في فَهم هذا الكون دون اللجوء إلى التجربة، وعلى سبيل المثال: يُمكننا فهم شخصية القاتل إذا قرأنا في تاريخ القَتلة، أو رواية يكون بطلها قاتل. لسنا بحاجة إلى الدخول إلى السِجن أبداً، فالأمر مُمكن الفهم في عالم القراءة.

365

(21) نكتب ونمسح بتكرارٍ مُمل

هل حصل وفتحت جهازك للكتابة وقُمت بكِتابة “قَتل الصَبيّ أمّه، بعد أن طعنها بسكّين سرقه من على الطاولة. بعدها خرج إلى الساحة وبدأ بلعب كُرة السلّة مع الحائط” بعدها قُمت ومسحت هذه الفقرة. وشرعت مُجدداً بالكِتابة “قتلَ الصبيُّ أخته، ودوّى صوت الطلقة في الأرجاء، لم يرتجف، بل جفلَ ولم يتحرّك. صرخَ بصوتٍ عال: أنا آسف”، بعدها تتوقّف قليلاً ثُمَّ تَقرأ الفقرة بعدها تُفكّر بشكلٍ جاد، تضغط على زر الحذف بكل هدوء وتكرر الضغط، وبعدها تقوم بإعادة الكِتابة تبدأ بـ “وقفَ على الشُرفة ينظر إلى الأسفل، ينادي أمّه: إنّي قادمٌ إليكَ قريباً، فقط ساعديني على القفز، وسأجدُكِ حتماً في الجحيم”. بعدها تعاود الفِعل السابق، تمسح كُل ما كتبت. وهكذا تكتب وتمسح تكتب وتسمح. وبعدها تبدأ بشتم “جهازك، وعقلك، وكِتاباتك، والحروف”.

365

(20) اشياقُكَ فتّنا

غِيابك يَنهشُ بقايانا، أذلّاء نبحث عن عينٍ ترعانا، فكُلنا لم يعد مسؤول، والرعيّة ضاعت في غياهب جُب هذه الحياة، أينَ استقرّت بكَ النوى؟ فالغياب يطوي كُل صَبرٍ هزيل، ويُقصي كُل صديق قريب. متى تُمطر السماء؟ حتّى الغيم يتنكّر مُرتحلاً عنّا. لم نعد نعلم أيّ جُمعةٍ هذي، فالماضية كالقادمة، وكُل ما يهمّنا غائبٌ عنّا، والغياب لا يُشبه الموت، فالموت يُقصي كُل سؤال. وأسئلة الغياب تُؤرقنا، فمتى؟ وأين؟ وكيف؟ وإلى متى؟ حشدُ لغةٍ صار فارغاً من معانيه، فكُل سؤال يبحث عنكَ أنت.