365

(22) عمليّة خَطرة لكنّها مُمتعة

في عالم القراءة أنت تتعامل مع أخطر ما يُمكن لك أن تتعامل معه، أنتَ تدخل في حقلِ الأفكار، في مُحيط متفجّراتٍ حيّة بانتظار فهمك لها، وقطفك لها. ليست القراءة طيّبة جداً كما يُصوّر البعض أو حتّى يُفهم من كلامي في بعض الأحيان، إنّ القراءة مُحيط مُدهش لكنّه مُخيف، قد تطّلع على فِكرة تسلبُك النوم، وتُدخلك عالماً أنتَ في غِنى عنه. وعلى الرُغم من كُل هذا إلا أنّه يُمكنني الزعم أنّها العملية الأكثر قُوّة في صناعة الشخصية، والأكثر أماناً في فَهم هذا الكون دون اللجوء إلى التجربة، وعلى سبيل المثال: يُمكننا فهم شخصية القاتل إذا قرأنا في تاريخ القَتلة، أو رواية يكون بطلها قاتل. لسنا بحاجة إلى الدخول إلى السِجن أبداً، فالأمر مُمكن الفهم في عالم القراءة.

365

(21) نكتب ونمسح بتكرارٍ مُمل

هل حصل وفتحت جهازك للكتابة وقُمت بكِتابة “قَتل الصَبيّ أمّه، بعد أن طعنها بسكّين سرقه من على الطاولة. بعدها خرج إلى الساحة وبدأ بلعب كُرة السلّة مع الحائط” بعدها قُمت ومسحت هذه الفقرة. وشرعت مُجدداً بالكِتابة “قتلَ الصبيُّ أخته، ودوّى صوت الطلقة في الأرجاء، لم يرتجف، بل جفلَ ولم يتحرّك. صرخَ بصوتٍ عال: أنا آسف”، بعدها تتوقّف قليلاً ثُمَّ تَقرأ الفقرة بعدها تُفكّر بشكلٍ جاد، تضغط على زر الحذف بكل هدوء وتكرر الضغط، وبعدها تقوم بإعادة الكِتابة تبدأ بـ “وقفَ على الشُرفة ينظر إلى الأسفل، ينادي أمّه: إنّي قادمٌ إليكَ قريباً، فقط ساعديني على القفز، وسأجدُكِ حتماً في الجحيم”. بعدها تعاود الفِعل السابق، تمسح كُل ما كتبت. وهكذا تكتب وتمسح تكتب وتسمح. وبعدها تبدأ بشتم “جهازك، وعقلك، وكِتاباتك، والحروف”.

365

(20) اشياقُكَ فتّنا

غِيابك يَنهشُ بقايانا، أذلّاء نبحث عن عينٍ ترعانا، فكُلنا لم يعد مسؤول، والرعيّة ضاعت في غياهب جُب هذه الحياة، أينَ استقرّت بكَ النوى؟ فالغياب يطوي كُل صَبرٍ هزيل، ويُقصي كُل صديق قريب. متى تُمطر السماء؟ حتّى الغيم يتنكّر مُرتحلاً عنّا. لم نعد نعلم أيّ جُمعةٍ هذي، فالماضية كالقادمة، وكُل ما يهمّنا غائبٌ عنّا، والغياب لا يُشبه الموت، فالموت يُقصي كُل سؤال. وأسئلة الغياب تُؤرقنا، فمتى؟ وأين؟ وكيف؟ وإلى متى؟ حشدُ لغةٍ صار فارغاً من معانيه، فكُل سؤال يبحث عنكَ أنت.

365

(19) نحن بحاجتك

لستَ متأخراً أبداً، أنتَ الآن في المكان والوقت الصحيح لاختيار هوايتك، لاختيار طريقتك في هذه الحياة، لم يمضِ الوقت، أنتَ الآن قادر على القراءة، قادر على الاختيار. هل ترغب بالكِتابة؟ ابدأ الآن فبمجرّد أن تبدأ ستجد نفسك في حالة مرضية، أسميها “لعنة الكتابة”، ستكون تحت رحمة الأفكار التي قد تأتي إليكَ لتكتب نصوصاً تُدهشنا فيها. فقط تذكّر أنتَ لستَ مُتأخّراً أبداً.

هذه الأعذار الواهية التي نلقيها في طريقنا عمداً، هيَ من تجعلنا لا نصنع شيء في هذه الحياة، ولا نُكمل المشاريع، اليوم تحدّث خالي العزيز “عيسى” عن صديق له فاق عُمره الـ 60 عام، تمكن هذا الرجل من الحصول على شهادة الدكتوراه في مجاله بعد أن بلغ هذا العُمر، لم يَمسح لنفسه بأن تتجبّر وتُخبره بأنّه كبير بالسن ولا يُمكنه تذكّر شيء. بل قاتل هذا الرجل للحصول على هذه الشهادة. هذه الأعذار التي نبحث فيها لنفسنا عن مخارج أمام ضمائرنا التي تنهشنا لتُحقق شيء هيَ من يُحطّمنا في غالب الأحيان.

يُحكى أنّه في مدينة من مُدن العِلم وقد تكون مدينة النجف الأشرف، كان هُناك طالب علوم دينية كبير في السن، لم يَكُن يُحسن القراءة والكِتابة حتّى وقت مُتأخّر من حياته، تعلّم القراءة والكِتابة بمشقّة كبيرة، وبعدها بدأ بطلب العِلم ولم يكن يمتلك أموالاً تُسفعه للحياة بكرامة في كثير من الأحيان، لهذا كان يدرس تحت ضوء قناديل الشوارع وبعِبارة أدق “قناديل الحَمّامات العمومية”، عِندما سُئل بعد فترة من الزمن، لماذا كُل هذا أيها الكهل؟ كانت إجابته ببساطة أن الشغف قاده لهذا الأمر، وأنّه سيكون حُجة على طلبة العِلم الكُسالى، الذين توفّرت لهم كُل سبل الراحة.

أعذرانا نحن الكُتاب أو الذين يرغبون بإنتاج المُحتوى الإبداعي واهية جداً، نحن في زمنٍ تتوفّر فيه أدوات الكِتابة بين أيدينا، ويُمكننا النشر متى ما شئنا، فقط نضغط على الأزرار ويكون رأينا وتجاربنا مُتاحة للجميع، هل أنتَ مُدرّب كُرة قدم؟ جرّب الكِتابة عن هذه التجربة وبشكل يوميّات، سترى أنّك ألهمت الكثيرين في مجالات مُختلفة ليكتبوا يومياتهم المهنية. لا تبحث عن المال في عالم الكِتابة وخصوصاً في عالمنا العَربي، ابحث عن تقديم خِدمة عظيمة للقرّاء وتجربة مثيرة لهم. لا تُصدّق بأنّ التدوين انتهى عُمره، وأنَ المواضيع كُلها كُتبت. فكُل كِتابة تختلف، وكُل شخصٍ فينا له بصمة تُميّزه عن الآخرين.

نحن بحاجتك، فأنت تجربة حياتية لها أثرها في هذه الحياة.