خواطري

(ع) (ل) (ي) ذلِكَ الذِكْرُ الشّجِيْ

(ع) (ل) (ي) ذلِكَ الذِكْرُ الشّجِيْ، لا خَوْفَ مَعَهُ لِلمُتَّقينْ، الذينَ جَزَعوا وَأقاموا العَزاءَ وَمِنْ أَموالِهم يَبْذُلُون في إحياء أمره، والذين أرخصوا الدُموعَ لمّا نَزَفَ الذِكْرُ الحكيم وَأسَالوا الدّماء، هُمْ هُمْ بِالآخِرَةِ يُوقِنونْ، عَلى هُدىً آمَنُوا بِأَنَّ عَلِياً وَصِحْبهِ هُمُ المُفْلِحونْ.

خواطري

تـيـه

أينَ أخبّئ صرخاتي؟ كيف أمسح دمعاتي؟ صرخاتي هزيم رعدٍ يكرر نفسه في كُل مصيبة، دمعاتيَ خناجر خرجت من عيني لتوسم خدّي بالجروح. يحيط بيَ منظر القتلى وأشلاؤهم المتناثرة بعد الصلاة، صاروا تعقيبات واجبة!، تحيطني لقطات الأمهات الفاقدات أتذكّر لحظة “يمّه ذكريني من تمر زفّة شباب” ولا تخرج من خيالي لحظة “لا ليلي ليل الناس لا تغمض العين”، إن القَتل مزّقنا فيما مضى ولا يزال، واجتمعنا على مائدة التضرّع والنداء بحق من هوَ المُضطر المُجاب إذا دعاه.

خواطري

كثير من موت.

يرحل الشُهداء، ويتبقّى لنا في هذه الدُنيا الشعور بأسى الفُراق، يائسين من لقائهم في هذه المسكونة، نبحث عنهم في أحلامنا، أما في عالم اليقظة فلا ننتظر إلا أن يتواجدوا في حياتنا عبر صورة، كلمة، رسالة، فيديو تمّ تسجيله مُسبقاً، يرحل الشُهداء إلى بارئهم، وتبقى اللغة مُعنا، اللغة التي نُعبّر فيها عن عظيم الألم!.

تجلس بالقرب من القبر. أُم. تبحث عن رائحة كانت تسكن منزلها، تبحث عن عين كانت تلتقي بها في كُل صباح ومساء، تبحث عن كلمة “يُمّه” التي يخشع قائلها تَذلّلاً وحُباً. تجلسُ بالقرب من القبر، أم الشهيد، تستنطق التُراب، ولا ينطق، تحرّك الرمال بيدها العارية من كُل زينة ولا تستجيب الرمال. فالأرض التي ابتلعت طفلها الذي كان يحبو فوقها يوماً ما لا تقدر على مقارعة دموع الأم، تختار الصمت.

ماذا صنعت الأرض؟
احتضنت الأرض كُل ذرّاته، لم تُبقي شيء، لأم الشهيد الجالسة بالقرب من القبر.

××

مبعثرين، لا نستطيع لمّ شتاتنا، فها هوَ طُفل يُلحد، وها هوَ شابٌ يُدفن بالقرب منه، هذا جدٌ وأب يتمّ إنزالهما ليسكنوا التُراب، هذا يبكي، وذاك يئن، وهُناك صوتٌ العويل يعتلي، لا شيء يُشبهنا .. نغبط الشهداء، نَسعد من أجلهم. إلا أننا نلعن قاتلهم ليلَ نهار. بعثرنا هذا الكثير من الموت، انتزع الصبر من قلوبنا، منذ ألف عام بل وأكثر، إلا أننا نتسلّح بالدعاء والانتظار.

ما الذي يقتلنا؟
كلمة، حرف، نص، كتاب، فيديو، تصريح، صورة، رسالة نصيّة، شعر، خِطاب جماهيري، … تقتلنا بشكلٍ من الأشكال. –أترك الفهم للقارئ لثقتي الكبيرة به-

××

عظّم الله لكم الأجر يا أهالي شهداء تفجير مسجد الإمام علي (عليه السلام) في القديح، ساعد الله قلوبكم وأعانكم على مصابكم الجلل.

يعجز القلم عن الوصف، يعجز القلب على البوح بمكنوناته، فالعُذر كُل العُذر، وأسأل من الله لنا ولكم حُسن العاقبة وثبات القلوب يوم تقلّبها.

لماذا كتبت؟
لأنني عاجز عن الكثير.

أعمالي, أفكاري, خواطري

زينب.

زينب. اسمٌ جدير بالبُكاء.

زينب. حُروف النِياحة حُروفها. في حرف الـ “ز” سوطٌ تُمسكه نُقطته التي تعتليه، سوطٌ يمتَد من تلكَ الصيحة التي ظهرت بالقُرب من قَبَسَ النيران: “وإن!” وصولاً إلى وادي الطفوف جالداً “كبرياؤها” مستبيحاً لمسٌ نقاط “الياء” في رسم اسمها، متجرّداً من كُل اشفاق، فاسم زينب تارةً يكون مرثيةً حزينة، وفي تارةٍ أخرى يصبح انتفاضةً لا قوّة تحتويها.

زينب. ما أن تُكتب حتّى تجزع الحُروف وتتجرّد من ثياب صبرها. تسكن في وسطها “نُ” تلكَ التي “يصفعون”. نونُ اسمها يحمل جُرحاً غائراً في انحنائه، يعبث بأوتار القلوب، يرجُّ قارئيه، يؤذي الصامتين. زينبٌ هوَ الاسم الأوّل من أسماء الكمد، هوَ بوابة أولى لكربلاءْ الشَجَنْ.

زينب. أصوات، نيران، أطفال، نساء، وإمام. غاصوا في حِمى “ب” اسمها المُبجّل. “باؤها” تحمل في طيّاتها “نقطة البداية” وهيَ آخر الحِكاية، مع انقضاء نُطق اسمها، حتّى نبدأ بشُرب كأس الردَى. نبحث عن سبيل عن الارتقاء والوصول إلى سرٍ واحد من أسرار حُروفها المُدرّة للدماء، ولا نصل.

عند أقسى منعطفات الدهر تجدها هُناك شامخة لا تُشبه إلا “علي” ذلك الساكن في باءَ البسملة، لا تنحني إلا لله في صلاة الليل، لا تنثني فهي من نقش في قلبها حِرز “يا حبيبي يا حُسين، نورَ عيني يا حُسين”. زينب بنت عليّ، بنَت بيتاً للأحزان في قلب كُل من قرأ/سمع اسمها، وتزيّنت هذه البيوت بدموعِ كُل هائم بذِكْرِ حبيبها .. الحُسين.

زينب. تستحق الروح ولا أقل.

الراحلون عنها لم يعودوا، لذا قرّرت هيَ أن ترحل إليهم، باحثةً عن تلك الكفوف المقطوعة، راغبةً بتضميدها بخيوطٍ نسيجها من آلامها، رحلتْ. وفي قلبها نزيف من دماء عاشوراء، رحلتْ لتَسكن في أعلى عليين.

زينب. روحُ الجَزع في ثوب بشر.

زينب. مُعتّقٌ هوَ دمعها، أوليستْ هيَ “سادس/أوّل” البكائيين؟ أوليستْ هيَ منْ “وزادت البنت على أمّها”!، أوليست هيَ “من دارها تُهدى إلى شرّ دار”؟.