365

(28) لا تقرأ 100 كِتاب في السَنة

“اقرأ ١٠٠ كِتاب في السنة” هذا الأمر الجديد الذي ظهر في الإنترنت خلال السنوات الماضية لا أعتقد أنني أوافقه الآن على الرغم من أنني شاركت في مثل هذا التحدّي، وعند محاولتي التي “فشلت” شاهدت العديد من الأصدقاء يرغبون بتعلّم مهارات القراءة السريعة، ويريدون خطوات لاختصار الوقت اللازم للانتهاء من قراءة كِتاب ما، بل واستغل البعض هذا الأمر وطَرح دورات “تخصصيّة” في القراءة السريعة وكيف يُمكن قراءة مئات الكُتب خلال أشهر قليلة، بل إنّ البعض ادّعى بأنّ السرّ الخاص بالنجاح مُرتبط بكميّة الكُتب التي تُقرأ وعدد الصفحات التي تُطوى.

عليّ الاعتراف أنني ولفترة طويلة كُنت أعتقد بأن هُناك حالة من التحدّي بيني وبين عدد الكُتب التي يجب عليّ قراءتها في السنة، لم أكن أمتلك استراتيجية أو تركيز مُحدّد حول هذا الأمر. عليّ الاعتراف بأن الأمر مُلهم جداً، وفي تلك الحالة تمكنت من الحصول على العديد من الأفكار وقمت بمناقشة تلك الأفكار مع العديد من القرّاء والأصدقاء. لكن “عملية صنع رابط” بين القراءة والنجاح وغيرها من الأمور هيَ عملية ظالمة جداً، فالقراءة جُزء من عملية ضخمة نقوم بها كبشر في حياتنا، فقط تذكّروا أنّكم في حالة القراءة أنتم تُهملون بعض الأمور التي قد تكون ذات أولوية في حياتكم. ولمعرفة كُل الأشياء لنُحطّم هذه التساؤلات قليلاً.

لماذا نقرأ؟

مبدئياً نحن نقرأ لأمرين بسيطين جداً:

لنرفع من مُعدّل المعرفة لنفهم العالم بشكل أفضل، فالمَعرفة التي تقودنا -للشقاء- تُساهم في فهمت الكثير من الأمور المجهولة بالنسبة لنا. القراء في صورتها العامّة تقع غالباً في هذا الإطار، المَعرفة الناتجة عن رؤية أفكار الآخرين على شكل كلمات مكتوبة، للتعرّف على وجهات النظر من زوايا أخرى.

الأمر الآخر الذي نقرأ من أجله هوَ اختبار مشاعرنا فيُمكننا عبر القراءة فهم الآخرين أكثر، والتعمّق في فهم الشخصيات، الشعور بما شعروا به، الاحساس بتجاربهم وهيَ حيّة بكلماتهم. أماكن لم نكن فيها بتاتاً، وتجارب لم نقدر في يومٍ ما على تجربتها. القراءة في هذا المكان هيَ قراءة مُحفّزة ومُمتعة.

ولشرح هذين الأمرين، نحن نَقرأ الكُتب الفلسفية والعِلمية والتاريخية وبعض السِير الذاتية والمذكّرات -التي قد نراها في النقطة الأخرى كذلك- وكُتب الإدارة وفنون التسويق وغيرها من الكُتب التي تناقش الأفكار وتشرح بعضها، لاكتساب المعرفة. ونقرأ الروايات والمسرح والشِعر وكُل ما يَنتج عن خيالات أو يأخذ شكل أدبي مثل القصص كنوع من التجربة واختبار لكل المعرفة التي اكتسبناها، وكذلك لاكتشاف البهجة والدهشة التي عادة ما تصاحب هذا النوع من القراءة.

المزيد من الكُتب = بيل غيتس الجديد؟

“أعتقد يجب أن نقرأ فقط الكُتب التي تجرحنا وتطعننا. إذا كان الكِتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بضربة على الرأس، فلماذا نقرأه؟” كَتبها فرانز كافكا قبل سنين طويلة، وإننا اليوم في عالم مُعقّد جداً. لهذا علينا تبسيط بعض الأمور، وكما قال العبقري الألماني إن الأمر يحتاج إلى خبطة في الرأس لا أكثر، لنُعيد تشكيل الأمور، بدل أن نقرأ ١٠٠ كتاب في السنة، علينا أن نقرأ عشرة كُتب تَتمكن من فِعل هذا الأمر.

أحياناً نقرأ للهرب، لتضييع الوقت لا أكثر، الهرب من الواقع، نريد التواجد في مُخيّلتنا لبناء عالمٍ موازٍ جيّد يليق بأفكارنا، في أغلب الأحيان هذه الحالة يجب ألا تستمر طويلاً وإلا كانت إدماناً مُخلاً، لا يصنع فِكراً قادراً على الصمود، بل يجعلنا أكثر هشاشة، وأكثر عُرضة للهزّات، وأكثر إحباطاً من الواقع المرير. المزيد من الكُتب يجب أن يكون بِوعي كبير، وباختيارات تخصّنا، تكسر الجليد. هل لازلت مصراً على القراءة من أجل الهرب؟ اهرب للامام، انطلق من الحاضر إلى المستقبل، لا تَعِش في ماضيك وذكرياتك وتُطبّق عليها ما تقرأ.

المزيد من الكُتب الرديئة لا تعني أنّني سأكون “بيل غيتس” الجديد أبداً، بل قد أغوص في تفاهات، أو أفكار مُكرّرة لا تضيف لي الجديد بتاتاً، الكُتب التي صِيغت بطريقة تلهمني بطريقة “الصدمة” هيَ الكُتب التي أبحث عنها في الغالب، سواء كانت رواية أم كِتاب فِكري، فما يُهمنّي يختلف عن عمّا يهمك، وما يُعجبني قد لا يعجبك.

أرجوك أكمل القراءة الآن ..

أرجوك اقرأ، مُهم هذا الأمر، فاكتشافك لما هوَ تافه وما هوَ جيّد، ما يصلح لك ولا يصلح يحتاج إلى عملية القراءة، لكن توقّف عن العَد فالأمر لا شأن للعدد فيه، قد تقرأ كِتاب واحد وتتغيّر نظرتك للحياة، قد تقرأ كِتاب حول الموت فتعي أن الأمور ليست كما تتصوّرها أنت، قد تستقظ من منامٍ طال.

اقرأ للفهم، اقرأ لربط النقاط، اقرأ للتخيّل. الكُتب سِحرية جداً، بل هيَ السِحر الأسود الذي يُحكى عنه، وإنّي من أؤلئك الذين يتمنّون أن يَكون اليوم طويل جداً ولا ينتهي ليكون هُناك مُتسَع للقراءة والكِتابة، أن يكون هُناك وقت لا يُحتسب مثلاً -ذلك أمر مثير-، لكن الأمر لا يكون كذلك، القراءة يُمكنها أن تأخذ في نهاية الأمر جُزء من الوقت فقط. ولديك مسؤوليات ومَهام في هذه الحياة بجانب القراءة، فأرجوك لا تعلمها كمضيعة للوقت، هيَ عملية خطيرة تحتاج إلى اهتمام وعِناية. فاقرأ حتّى

365

(27) صُنّاع المُحتوى الشيعة

صُنّاع المُحتوى في الوسط الشيعي يمتلكون مُعاناة خاصّة جداً، قد تتشابه في بعضها مع كُل صنّاع المحتوى من مُختلف التوجهات والفئات، إلا أنّهم يمتلكون عُقَد غريبة جداً عن البقية، ولديهم مُتلازمات تجعل من المُحتوى فقيراً في أغلب فترات العام، صنَاع المُحتوى الشيعة يمتلكون رِسالة ولديهم المُعاناة التي تُولّد الابداع عادةً، ويمتلكون جُمهورهم الخاص، كذلك إنّهم يستخدمون كافّة الأدوات المُتاحة للكُل إلا أنّهم يُعانون على مُختلف الأصعدة.

  • هُم

أمتلك بعض التجارب الشخصية التي تعاملت فيها مع مبدعين في وسط صنّاع المحتوى، شُعراء، كُتّاب، مصممين، مصورّين، وغيرهم، أغلبهم يمتلكون شخصيات رائعة. لكنّي هُنا أكتب عن المشاكل التي يعاني منها هذا الوَسط، تخيّلوا معي “شاعر” لا يعرف شيء عن تاريخ الإمام الباقر (عليه السلام) ولم يُتعب نفسه بالقراءة أو بالبحث عن مواضيع يُمكن استلهامها ليَكتب الشعر. هذا الشاعر موجود حيّ ويُشار له بالبنان في بعض المحافل، لكنّه لم يتمكن من الكِتابة عن الإمام الباقر (عليه السلام) بُحجّة “لم يحمل سيفاً، لم يُحارب” وكأن الشِعر الرسالي لا يُنتج إلا في ظُروف “حَربية!”.

في عام 2013 كتبت “رسالة” طويلة بعض الشيء لصانعي المُحتوى الشيعة، وأكرر هُنا نُقطة ذُكرت هُناك بطريقة مختلفة، من مشاكل المبدعين أنّهم في وقتٍ ما يتوقفون عن تلقّي العلم، لا يقرؤون لا يسمعون لا يُحاورون. فقط يُريدون إنتاج شيء يبقى في العقول والقلوب من دُون وجود أرضية أو خلفية تُساهم في صناعة ما يريدون.

لعل المُجتمع الرسالي يتذكّر إلى وقت قريب أن أغلب صانعي المُحتوى عبر الإنترنت أو خارج الإنترنت هُم من يقوم بكُل العمل، فلا توجد فِرق عمل قادرة على النهوض لإنتاج شيء، التخصص كان غائباً، ولله الحمد أن الأمر بدأ بالاستيقاظ شيئاً فشيء، صِرنا نرى تخلّي المبدعين عن العمل الذاتي الكُلّي. هُم باتوا أكثر انفتاحاً للتعامل مع الآخرين، للتعاون، بل وتطوّر الأمر ليكونوا أكثر قُدرة على التعلّم من بعضهم البعض والتعلّم من آخرين أصحاب مستويات عالية جداً في مجالاتهم. ولي عَودة هُنا لاحقاً في مَقال مُنفرد.

  • المُحيط

هذا المكان قد يكون أفضل مكان، وقد يكون أسوأ مكان. هُنا تكمن الأسرار الخاصّة بقوّة المؤثرين في المُجتمعات بشكلٍ عام، هُنا يُصنع الفِكر بشكل أعمق، فما يصنعه الفَرد إن لم ينعكس على المُحيط الصغير فتأثيره يبقى محدوداً في ذاته لا أكثر. المُحيط في الوسط الشيعي يحتوي على فئة تعيسة جداً هُم “المُطبّلين” فإذا قدّم مثلاً (الرادود) قصيدة عادية جداً، تجدهم يصرخون “الله” وينشرون المقاطع في كُل مكان. هؤلاء غالباً لا يُساهمون في تطوّر الفَرد، هُم يتركون الأمر في المُنتصف، يتركون كُل شيء كما هوَ.

هُم في جانبٍ ما هُم أتباع. لا يقدّمون المعونة ولا النقد السليم لتُصبح عملية صناعة المحتوى أكثر ابداعاً وتكاملاً. في هذا المكان تكمن أهميّة الصداقات التي تحفُّ بالمُبدع، فقط تخيّلوا خطيب منبر حُسيني له صديق مُلازم له ينشر مقاطعاً موسيقية، ويتحدّث بِلُغة قّذِرة أمام الملأ. كيف سيؤثّر هذا الخطيب فينا؟ كيف يكون محتواه صادقاً إذا ما شاهدنا فيديوهات وصور كثيرة بجانب هذا الشاب. وهذا مثال واحد، وتخيّلوا الكثير وفي أغلب الجوانب لا فقط الخطيب فما طرحته هُنا مثال حول أهمية العناية بالمُحيط الخاص. كذلك هُنا سنتناول هذه النقطة في مَقال لاحقاً.

  • المُجتمع

لا أعرف مُجتمعاً يمتلك قساوة مُجتمعنا في التعامل مع صانعي المُحتوى، فأوصاف مثل “سطحي”، “خواء”، “بلا فِكر”، “يبحث عن الأموال”، “منافق”، “مُخادع” وغيرها من الكلمات بسهولة يُمكنهم إطلاقها على من يحاول صُنع شيء، وهُنا أتذكّر قصّة بسيطة ألخّص فيها كُل ما يُمكن للمجتمع أن يصنعه.

خلال العامين الماضيين حاولت تقديم محتوى متخصص مثل “كيف تكتب مقالاً؟” و”كتابة مسودة رواية” وفي هذين المشروعين قررت جعل المحتوى مدفوع، لمحاولة الحصول على بعض المردود مقابل الجهد والخبرة التي سأطرحها، ولأطوّر من أدواتي الخاصّة التي تجعلني قادراً على تقديم شيء في هذا المُحيط وبشكل مُتخصص. الكثير من التحضير جاء عبر وِرَش مُتخصصّة مدفوعة. لهذا فكّرت بتعويض بعض ما صرفت خلال السنين الماضية، دون أن يُصيبني الجشع، حاولت تقديم محتوى بمبلغ رمزي، ومحتوى بمبلغ كبير لضخامة محتواه. لن أحدد مواطن مصروفاتي أكثر، لكن كان من حقوقي طلب مثل هذه المبالغ بشكل بسيط. إلا أنّ المُجتمع لم يتقبّل منّي هذا الأمر -هُنا أعني المُجتمع الشيعي- بل ووصفني البعض بأنّي باحثٌ عن الأموال!.

المُجتمع لا يؤمن بأنّ المحتوى الجيّد يحتاج إلى بعض الأموال فهذا الأمر يجعل صانع المحتوى يقدّم المزيد من دون أن يقوم بالضغط على ميزانيته الخاصّة. بل الأمر أقسى بكثير، المُجتمع الشيعي لا يقوم بعمل “ريتويت!” لأنّه لا يؤمن بما يُقدّم إلا من رفاقه.

نعيش في مُجتمع يرفض صناعة شباب مؤثّرين، يرفض صناعة قادة، يدعم كُل من يعمل خارج نطاق الطائفة لكي لا يوصم بالطائفي!. هذا المُجتمع مريض يمتلك خوف عميق جداً -في بعض لا ألومه- فتجاربهم السابقة بعضها مؤلم، انقلب فيها الشباب وصاروا مُنسلخين عن كُل ما هوَ رسالي. لكن هل يستحق الجيل الجديد كُل هذا الجفاء؟

  • في النهاية

من تعرفون شباب قاموا بالتأثير فيكم؟ من هُم الشباب الذين تعتقدون أنّهم يستحقون دعم المُجتمع كاملاً؟ من هُم الشباب الذين ترون فيهم القيادة والمثال للشاب الرسالي المبدع؟ شاركوني لنتعرّف عليهم لنحاول ردّ الجميل لإبداعاتهم، لنقدّم لهم الوقود وهوَ الدعم الكبير.

365

(26) حبسة الكاتب حقيقة؟

بعض الكُتّاب يقولون بأنّ “حبسة الكاتب” ليست حقيقية. إنّها فقط حُجّة عندما لا يرغب الكاتب بالكِتابة، وهُناك مقولة جميلة لوليام فوكنر

“أنا فقط أكتب عندما أشعر بالإلهام، ولحسن حظّي أنّ الإلهام يضربني يومياً في تمام الساعة التاسعة صباحاً”

كذلك كذلك الكاتب الأمريكي جاك لندن

“لا تستجدي حضور الإلهام، فقط أشعل الضوء وأكتب وستتحصّل على شيء رائع”، هذا الكاتب كان يؤمن بأن الكِتابة اليومية هيَ أفضل وسيلة لإزعاج الكاتب النائم فينا، لهذا كتب في إحدى مقالاته “ضع لنفسك مُهمّة، وشاهد نفسك تقوم بهذه المُهمّة يومياً، أنتَ قطعاً ستتحصّل على رصيد كلمات أكبر في نهاية العام”.

لكن هُناك كذلك الكثير من الكُتّاب يُعارضون هذه الأمور التي نادى بها “لندن”، لم يجدوا أنّ الكِتابة اليومية مُهمّة جداً، وأنّها تصنع كاتباً برصيد من الكَلمات، ويأتي على رأسهم عبقري الرواية “فرانز كافكا” الذي كتب مرثية في إحدى كِتاباته يقول فيها

“كيف للوقت أن يطير؟. عشرة أيّامٍ أخرى وأنا لم أحقق شيء. لا شيء يخرج. الورقة الآن انصرت، وأنا غير قادر على الاستمرار فقُواي تنضب في كُل يوم”.

قد تكون أنتَ تُشابه كافكا لا تجد الأفكار يومياً، تجلس أمام شاشة الكمبيوتر وتبدأ بالكِتابة، لكن بدل أن تقوم بهذا الفِعل أنتَ تُشاهد الشاشة أمامك ولا شيء سوى البياض وبعض الأزرار، تكتب بعض الأسطر وبعدها بدقائق تقوم بمسح كُل شيء، لأنّك لم تجد الكلمات التي تساهم في استمرارك، وكأنّ إلهامك فقط الحِبر الذي يحتويه لنقل الحبر جَف. ماذا عليك أن تفعل؟ كيف يُمكننا إعادة تشغل ماكنة الإبداع الكِتابية لدينا؟.

هُناك الكثير من الكُتاب شرحوا هذا الأمر، بطريقة بسيطة، أنقل لكم بعض التَجارب وبعدها أخبركم بتجربتي الخاصّة، نبدأ مع الكاتبة “مايا أنجلو” التي قالت:

“الكتابة فعل فنّي رياضي، التمرين يصقل العملية. الأمر لا يحتاج كثيراً إلى الإلهام للكتابة، وإنّما الأمر بحاجة للكِتابة، حتّى وإن كانت الكِتابة غير منطقية، مجنونة. يُمكنني القول بأنني تعرّضت لما يُسمى بحبسة الكاتب، لكنّي لا أسمّيها هكذا. أكتب لمدّة أسبوعين كِتابات غير مُرتّبة، لا أمسح شيء، أكتب وأكتب إلى أن أجد أمراً يضيء الدرب”

أمّا الكاتب “نيل غايمان” فشرح الأمر بطريقة مُختلفة لنُسمّيها السبات الشتوي:

“ضع مشروعك الكِتابي على جانب، يوم يومين أو أكثر، افعل أشياء أخرى، انطلق إلى السينما، قم بلعب الرياضة، أيّ أمر يُشتت ذهنك. بعدها عُد إلى مشروعك واقرأ ما كتبت، هل تشعر بأنّ الفكرة حقيقيّة؟ يُمكنها الاستمرار، اجلس واكتب. إذا لم تشعر بذلك قُم بإعادة الكِتابة مع الفكرة الجديدة التي وصلت إليك”.

تجربتي الشخصية لم تفلح مع طريقة نيل وأؤمن بأنّ الكِتابة تَجرّ الكِتابة، فمن دُون هذا الفعل لن أستشعر أهميّة القراءة الواعية لكل كلمة تمر عليها عيني في قراءاتي، كما أنني أكتب لقارئ واحد بهذه الطريقة لا أهاب الجمهور، ولا أشعر بضرورة فهم كُل عقولهم، أكتب بأسلوب بسيط في أكثر الأحيان بعيداً عن الزخارف اللغوية، فالشروحات كُلّما كانت بسيطة وعملية، كُلّما استفاد منها القرّاء. وإذا لم يفلح الأمر، أنطلق بلا هَوادة اتجاه العادات الكِتابية “وجبة لذيذة، كوب قهوة، صوتيات” المُهم أن تخرج الكِتابة من رأسي ومن قلبي لتكون على الورقة. لاحقاً سأقوم بتحريرها.

لا تُحاكم نفسك، فالإبداع لا يُحاكم قبل أن يخرج إلى العَلن.

365

(25) هل نصنع طاغوتاً؟

عندما تكون في مجال تطوير الشباب أنتَ في مأزق خطير، فأن تكون قائد فعّال هذا أمر لا يتواجد في كُل العاملين فعلياً، يُقال بأن البعض يولد ومعه “مهارات قيادية”، وهذا القول لا يُمكنني تقبّله بشكل كامل، فالقيادة تُصنع عبر تراكم الخبرات، فأن يكون الإنسانُ ملهماً ذلك أمر يحتاج إلى وجود قاعدة تقوده للإلهام، إلى وجود إنجاز، إلى وجود عقل يتمكن من السيطرة على لحظات العاطفة الجارفة التي تقود الناس لعدم معاقبة من يحبّون أو اتخاذ قرارات طائشة. القائد بشكلٍ عام هوَ من يتمكن من توجيه الطاقم ويُلهمهم.

في العمل الشبابي التطوّعي القيادة صعبة جداً، لا يوجد حوافز مالية تقود الشباب لتحقيق الهدف، لا توجد أهداف يُمكنه رؤيتها في أغلب الأحيان، لأنّ النتائج تكون بعيدة المدى جداً، بعض الأفكار التي يؤمن بها الأغلب هيَ المُحرّك الأقوى، بالإضافة إلى شرح الأهداف بشكل واضح يجعل من الأمر مُمكناً بعض الشيء، لكن ومن خلال تجربتي الشخصية في هذا المجال تعلّمت أنّ الفرصة كبيرة جداً لنموّ أمر آخر، وخصوصاً لمن فجأة يجد نفسه في منصب سُلطة، أو حتّى قيادة قِسم أو لجنة أو ديوان، بعضهم يجد أنّ هذه السُلطة ليست تكليف بل تشريف، وأنّ مكانه هذا يمتلك قوّة ضاربة في اتخاذ القرار، فنجد أنّنا صنعنا طاغية من دون قصد، قد تكون الكلمة كبيرة جداً، لكنّها فعلياً تمثّل حالة من يستغل وجوده في مكانٍ ما، لذا وقبل وضع شخص في منصب ما، لنُلاحظ هذه الأمور:

1. لا يَفهم ويُريد أن يُفهم!
القائد الحقيقي هوَ من يتمكن من اقصاء المعلومات غير المفيدة، لكن أيضاً هوَ بحاجة لتجميع أفضل المعلومات لتقديمها للمرؤوسين بشكل بسيط، فمن واقع خبرة، لا يُمكن قيادة أناس يتم اقصاء كُل معلوماتهم بشكل مُتعمّد، أو يتهم تجاهلهم، أو حتّى يشعرون بأنّهم غير مفهومين، أو غير فاهمين!.

2. يلقي باللوم، ثُم يبدأ بالمُحاسبة!
عندما يحصل خطأ ما، القائد المُلهم هوَ من يتمكن الاستماع بشكل حقيقي، من يُشير إلى المُخطئ دون الاستماع لكُل وجهات النظر هوَ من يُنمّي الطاغوت داخله دون أن يشعر.

تساءلت ذات يوم، هل أنمّي “طاغوتاً” في منزلي؟ أمتلك أبناء وهُم في طور النمو، والمُرعب أن كُل قرار له رد فعل مُختلف، على الرغم من أنني أحاول جاهداً، وتحاول أمّهم بشكلٍ جاد أن تصنع شيء في تربيتها لهم، لكن في كُل مرة نواجه معضلة نكتشف أننا قد نغرس فيهم أمراً لم نكن نريد له أن يظهر في شخصياتهم. وفي هذا العالم المضطرب المليء بالأخبار التعيسة التي تغلّف يومنا، كيف يُمكن لأيّ منّا أن يهرب من تغذية الأنا التي تكون في لحظةٍ ما ضرورة.

لمن يعتقد بانّه لن يسقط في الاختبار، أو أنّه سينجو بكل بساطة، أعتقد أنّك لم تطّلع على تجارب الآخرين، هل تعلم بأن “هتلر” كان رسّاماً؟ وأنّ أغلب الطُغاة المشاهير لهم جانب عاطفي مُثير للاستغراب، وإن لم تكن قادراً على تخيّل هذا الأمر أنصحك بالاطلاع على بعض السير الذاتية للطغاة، يُمكنك أن ترى أنّهم بشر مثلنا يمتلكون جانب إنساني عظيم، لكنّهم أضاعوا البوصلة.