365

(27) صُنّاع المُحتوى الشيعة

صُنّاع المُحتوى في الوسط الشيعي يمتلكون مُعاناة خاصّة جداً، قد تتشابه في بعضها مع كُل صنّاع المحتوى من مُختلف التوجهات والفئات، إلا أنّهم يمتلكون عُقَد غريبة جداً عن البقية، ولديهم مُتلازمات تجعل من المُحتوى فقيراً في أغلب فترات العام، صنَاع المُحتوى الشيعة يمتلكون رِسالة ولديهم المُعاناة التي تُولّد الابداع عادةً، ويمتلكون جُمهورهم الخاص، كذلك إنّهم يستخدمون كافّة الأدوات المُتاحة للكُل إلا أنّهم يُعانون على مُختلف الأصعدة.

  • هُم

أمتلك بعض التجارب الشخصية التي تعاملت فيها مع مبدعين في وسط صنّاع المحتوى، شُعراء، كُتّاب، مصممين، مصورّين، وغيرهم، أغلبهم يمتلكون شخصيات رائعة. لكنّي هُنا أكتب عن المشاكل التي يعاني منها هذا الوَسط، تخيّلوا معي “شاعر” لا يعرف شيء عن تاريخ الإمام الباقر (عليه السلام) ولم يُتعب نفسه بالقراءة أو بالبحث عن مواضيع يُمكن استلهامها ليَكتب الشعر. هذا الشاعر موجود حيّ ويُشار له بالبنان في بعض المحافل، لكنّه لم يتمكن من الكِتابة عن الإمام الباقر (عليه السلام) بُحجّة “لم يحمل سيفاً، لم يُحارب” وكأن الشِعر الرسالي لا يُنتج إلا في ظُروف “حَربية!”.

في عام 2013 كتبت “رسالة” طويلة بعض الشيء لصانعي المُحتوى الشيعة، وأكرر هُنا نُقطة ذُكرت هُناك بطريقة مختلفة، من مشاكل المبدعين أنّهم في وقتٍ ما يتوقفون عن تلقّي العلم، لا يقرؤون لا يسمعون لا يُحاورون. فقط يُريدون إنتاج شيء يبقى في العقول والقلوب من دُون وجود أرضية أو خلفية تُساهم في صناعة ما يريدون.

لعل المُجتمع الرسالي يتذكّر إلى وقت قريب أن أغلب صانعي المُحتوى عبر الإنترنت أو خارج الإنترنت هُم من يقوم بكُل العمل، فلا توجد فِرق عمل قادرة على النهوض لإنتاج شيء، التخصص كان غائباً، ولله الحمد أن الأمر بدأ بالاستيقاظ شيئاً فشيء، صِرنا نرى تخلّي المبدعين عن العمل الذاتي الكُلّي. هُم باتوا أكثر انفتاحاً للتعامل مع الآخرين، للتعاون، بل وتطوّر الأمر ليكونوا أكثر قُدرة على التعلّم من بعضهم البعض والتعلّم من آخرين أصحاب مستويات عالية جداً في مجالاتهم. ولي عَودة هُنا لاحقاً في مَقال مُنفرد.

  • المُحيط

هذا المكان قد يكون أفضل مكان، وقد يكون أسوأ مكان. هُنا تكمن الأسرار الخاصّة بقوّة المؤثرين في المُجتمعات بشكلٍ عام، هُنا يُصنع الفِكر بشكل أعمق، فما يصنعه الفَرد إن لم ينعكس على المُحيط الصغير فتأثيره يبقى محدوداً في ذاته لا أكثر. المُحيط في الوسط الشيعي يحتوي على فئة تعيسة جداً هُم “المُطبّلين” فإذا قدّم مثلاً (الرادود) قصيدة عادية جداً، تجدهم يصرخون “الله” وينشرون المقاطع في كُل مكان. هؤلاء غالباً لا يُساهمون في تطوّر الفَرد، هُم يتركون الأمر في المُنتصف، يتركون كُل شيء كما هوَ.

هُم في جانبٍ ما هُم أتباع. لا يقدّمون المعونة ولا النقد السليم لتُصبح عملية صناعة المحتوى أكثر ابداعاً وتكاملاً. في هذا المكان تكمن أهميّة الصداقات التي تحفُّ بالمُبدع، فقط تخيّلوا خطيب منبر حُسيني له صديق مُلازم له ينشر مقاطعاً موسيقية، ويتحدّث بِلُغة قّذِرة أمام الملأ. كيف سيؤثّر هذا الخطيب فينا؟ كيف يكون محتواه صادقاً إذا ما شاهدنا فيديوهات وصور كثيرة بجانب هذا الشاب. وهذا مثال واحد، وتخيّلوا الكثير وفي أغلب الجوانب لا فقط الخطيب فما طرحته هُنا مثال حول أهمية العناية بالمُحيط الخاص. كذلك هُنا سنتناول هذه النقطة في مَقال لاحقاً.

  • المُجتمع

لا أعرف مُجتمعاً يمتلك قساوة مُجتمعنا في التعامل مع صانعي المُحتوى، فأوصاف مثل “سطحي”، “خواء”، “بلا فِكر”، “يبحث عن الأموال”، “منافق”، “مُخادع” وغيرها من الكلمات بسهولة يُمكنهم إطلاقها على من يحاول صُنع شيء، وهُنا أتذكّر قصّة بسيطة ألخّص فيها كُل ما يُمكن للمجتمع أن يصنعه.

خلال العامين الماضيين حاولت تقديم محتوى متخصص مثل “كيف تكتب مقالاً؟” و”كتابة مسودة رواية” وفي هذين المشروعين قررت جعل المحتوى مدفوع، لمحاولة الحصول على بعض المردود مقابل الجهد والخبرة التي سأطرحها، ولأطوّر من أدواتي الخاصّة التي تجعلني قادراً على تقديم شيء في هذا المُحيط وبشكل مُتخصص. الكثير من التحضير جاء عبر وِرَش مُتخصصّة مدفوعة. لهذا فكّرت بتعويض بعض ما صرفت خلال السنين الماضية، دون أن يُصيبني الجشع، حاولت تقديم محتوى بمبلغ رمزي، ومحتوى بمبلغ كبير لضخامة محتواه. لن أحدد مواطن مصروفاتي أكثر، لكن كان من حقوقي طلب مثل هذه المبالغ بشكل بسيط. إلا أنّ المُجتمع لم يتقبّل منّي هذا الأمر -هُنا أعني المُجتمع الشيعي- بل ووصفني البعض بأنّي باحثٌ عن الأموال!.

المُجتمع لا يؤمن بأنّ المحتوى الجيّد يحتاج إلى بعض الأموال فهذا الأمر يجعل صانع المحتوى يقدّم المزيد من دون أن يقوم بالضغط على ميزانيته الخاصّة. بل الأمر أقسى بكثير، المُجتمع الشيعي لا يقوم بعمل “ريتويت!” لأنّه لا يؤمن بما يُقدّم إلا من رفاقه.

نعيش في مُجتمع يرفض صناعة شباب مؤثّرين، يرفض صناعة قادة، يدعم كُل من يعمل خارج نطاق الطائفة لكي لا يوصم بالطائفي!. هذا المُجتمع مريض يمتلك خوف عميق جداً -في بعض لا ألومه- فتجاربهم السابقة بعضها مؤلم، انقلب فيها الشباب وصاروا مُنسلخين عن كُل ما هوَ رسالي. لكن هل يستحق الجيل الجديد كُل هذا الجفاء؟

  • في النهاية

من تعرفون شباب قاموا بالتأثير فيكم؟ من هُم الشباب الذين تعتقدون أنّهم يستحقون دعم المُجتمع كاملاً؟ من هُم الشباب الذين ترون فيهم القيادة والمثال للشاب الرسالي المبدع؟ شاركوني لنتعرّف عليهم لنحاول ردّ الجميل لإبداعاتهم، لنقدّم لهم الوقود وهوَ الدعم الكبير.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..