365

(23) بُنَيّ لن يُخبروك

أعلم بأنني لم أكتب لكَ مُنذُ وِلادتك، أعلم بأنّ الكِتابة إليكَ صعبة جداً. فأنتَ وصلت إلى عائلتي الصغيرة وبرفقتك كُل الحُب والحنان، ومُحاطٌ بجمعٍ يعشقُ الإحساس بوجودك، أنتَ هِبة الله لنا، أنتَ الذي انتقل من عالمٍ ليكون في عالمنا هذا، أنتَ صغيري الذي جاء من مكانٍ بعيد، وصلتَ إلينا بعد رحلة امتدت سنيناً أجهلها، أنتَ اليوم أكملت عاماً فوق هذه الأرض وإليكَ يا بُنيّ بعض الأمور التي قد لا يخبرك بها الرفاق، وقد أغفل عنها أنا لاحقاً، أنا راحلٌ شئتَ أم أبيت، وهذا إرثي إليك يا حبيبي وصديقي وصغيري وعضيدي الصغير “مُحمّد”.

عِندما كُنتُ أنا صغيراً لم يَبخل والدي الذي هوَ جَدّك بالمناسبة – الحاج مكّي المتروك (حفظه الله) – لم يبخل بشيء، لم يتركني أشعر بالتيه في هذه الحياة، دلّني طريق خِدمة الإمام الحُسين (عليه السلام) وعلّمني حُب هذا الطود المُنجي من الهلاك، لم يتركني لحظة واحدة، وهذه الراية أسلّمها لك أنتَ وإخوَانك “علي وعبّاس”، فأنتم حملة هذه الراية برفقتي الآن، وبعدي كذلك، لا تنسى يا حبيبي، هيَ رسالتنا في هذه الحياة.

صغيري الذي أُحب ثِق تماماً بأنّ أغلب الناس يخافون من مُخيّلتهم، ويحاولون إلغاء صوت الطفل المُبدع الذي يسكنهم، إنهم لا يحبّون أن يكونوا مبدعين، أو أن يُحاطوا بالمبدعين، هُم يُحبّون أن يكونوا في مكانهم فقط، لا يريدون من الآخرين أن يُشغلوا فيهم الرغبة للإبداع، الرغبة لترك إرث يستحق البقاء، أو لتقديم رسالة. كما أنّ أحلامك خاصّة بكَ أنتَ وحدك، لا تهم الآخرين في الغالب، قد يساندك البعض، قد يقدّمون العون في مرحلةٍ ما، لكن مع نهاية اليوم لا أحد يهتم. لن يكن بالقرب منك أحدُ يهتم بأحلامك بقدركَ أنت. وإن كُنت تريد أن تعرف طريقة لقياس ابداعاتك فإني أنصحك بتجربة أفكارك العفوية فهيَ التي تحمل في طيّاتها العديد من الإبداع في العادَة. والإبداع لا يأتي على الورق عادةً وإنما مع التجربة الميدانية والحقيقية، فالأخطاء التي تمرّ بها هيَ من تسمح لك بابتكار الحلول الإبداعية، لا تصدّقهم الذين يخبرونك بضرورة دراسة كُل خطوة تقوم بها، حاول فهم الأمور ودراستها فترة معقولة وبعدها انطلق وأخطئ وأصلح.

قلبي النابض أنتَ أمام رحلة حياة شاقّة محفوفة بالأصدقاء، الخيّر منهم والتعيس، فاختر منهم الصالح واترك الطالح ليسبح في هذه الحياة لوحدة، لا تكن أنتَ من يركب في مَركبه، وتذكّر الرسالة والراية، لتعرف من تُصادق. لأنّك كُلما كَبرت في هذه الحياة كُلما قاسيت، كُلما كبرت معك قيمة الصداقة، وكُلما كان رفاقك مبدعين كُلما دفعوك لإبداعات جديدة، إنهم يرفعون سقف الطموحات، ولا يهدموها، قد لا يساعدون لا يُهم، المُهم أنّهم يغرسون دوافع في مُحيطهم. واعلم يا حبيب القلب أنّك بشكلٍ ما انعكاس لأكثر خمسة أشياء تُحيط بك، إن كُنت محاطاً بالكُتب والقراءة والتفكير الإبداعي والعلاقات الإنسانية الطيّبة فهذا الأمر سيظهر في شخصيتك.

بُني لا تكن من التائهين الذي لا يعرفون ماذا يحبّون حتّى وقت مُتأخر في أعمارهم، لا تكن من هؤلاء الذين يضيّعون بوصلة حُب الإمام الحسين (عليه السلام) فبهِ قطعاً ستجتازُ كُل المِحن، والدائرة تدور باستمرار، فإن أنفقت حُبّك في مكانه الصحيح، ستجده ينعكسُ عليكَ لاحقاً.

كُل عامٍ وأنتَ بخير، كُل عام وأنا بكَ بخير، كُل عامٍ وأنت تنمو وتسأل وتتساءل وتكتشف، كُل عام وأنتَ وأمكّ وإخوتك وكُل من يُحبّك بألف خير.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..