خواطري

ليتها ليلةً لم تكتمل

-1-

ليتها ليلة لم تكتمل، ليتني أوقَدت الشموع لحين انفجار شمس الصباح، هذه ليلة تضيق بكُل شيء إلا الدِماء، ليلتها لم تكتمل، ليتني كُنت قادراً على تصفيد الظلام ليكون سرمدياً، ليتني كُنت قادراً على الطواف في أزقّة الكوفة أصقل أناملي علّها تَجد اللعين يهرول خوفاً فأمسُكُ به مُغيراً أقدارنا، ليتني كُنت قادراً على كُل هذا إلا أنّها المشيئة العُظمى، واللّيتَ واللعل سراب لا يَحضر إلا في نصٍ عاجزٍ عن ابتكار المعنى، مُحطّم الأركان بلا أضراسٍ يحاول حكاية خيالاتٍ عصيّة على الحضور في كُل ليلةِ تاسع عشر من شهر رمضان، فليلةُ الجرح أفجع من ألف فجيعة بل وأكثر.

-2-

أنا طينٌ عُجِنَ بماء الدَمعة الأولى، كان يُرتّل في لحظة تكويني “آه عليك يالمرتضى” فما بارحتني نغمة الأسى، أنا طينٌ ذرّاته جُمِعَت في الوادِ المقدّس. حُزني وليدُ الماء الأوّل، لولاه لما كُنتُ ولا صرتُ، لولاه لما اجتمعت أعضائي وأشلائي، لانهدّت أركاني وصرتُ عدماً.

أنا ممّن فُطروا والغَم يسكنهم، والعَطشُ إلى الدُموع يؤذيهم، وقلوبُهم اكتوَت بنارِ الحُب فلم تفارقّ ميدانه، أنا ممّن عاقروا اللطم حُزناً، أنا ممن سُجّرت نيران كُروبهم منذ فجر التاريخ، وتغذّت أرواحهم بكُل تَرحٍ طافت حُروفه في سمائهم، أنا حُزنٌ في هيئة إنسان، فكيف أنسى؟. أنا لم أعد أتقن البُكاء، فمن يبكي يفنى، ومن يَحزن يتلاشى، وفي صورةٍ ما يذوب حتّى يُصيّر جَزعاً يطوف في البُلدان مُغذياً كل روح، مُلهماً إيّاها بُكاءً مَخبوء في طيّاتها.

هوَ وِترٌ فريدٌ عظيم، هوَ صوتُ العدالة المَخفي، هوَ قرآن الله الناطق، هوَ الإيمان كُله هوَ الإنسان، كيف لا أبكيه؟ كيف لا يخطفني الحُزن بعيداً، كيف أنحني لكلِ فرحٍ في ذكرى اغتياله؟ كيف لي؟.

-3-

يتيمُك بين يديكَ سيّدي، يمدّ إليكَ روحاً لا لبناً، سائلاً إيّاك أيّها “النبأ العظيم” أن تأخذها إليكَ، فهيَ طيّعة لمن عشقت. يتيمكَ سيّدي غارقٌ في مناحته يرجو سلامتك، سيّدي أما آن أن تنهض؟ فكيف تموت يا قاهر الهَم والبلوى؟ كيف ترحل؟ أيتامُك بانتظارك فعُد إلينا سيّدي.

سيِّدِي، أَنا الصَّغِيرُ الَّذِي رَبَيْتَهُ، وَأَنا الجاهِلُ الَّذِي عَلَّمْتُهُ، وَأَنا الضَّالُّ الَّذِي هَدَيْتَهُ، وَأَنا الوَضِيعُ الَّذِي رَفَعْتَهُ، وَأَنا الخائِفُ الَّذِي آمَنْتُهُ، وَالجائِعُ الَّذِي أَشْبَعْتَهُ، وَالعَطْشانُ الَّذِي أَرْوَيْتَهُ، وَالعارِي الَّذِي كَسَوْتَهُ، وَالفَقِيرُ الَّذِي أَغنَيْتَهُ، وَالضَّعِيفُ الَّذِي قَوَّيْتَهُ، وَالذَّلِيلُ الَّذِي أَعْزَزْتَهُ، وَالسَّقِيمُ الَّذِي شَفَيْتَهُ، وَالسَّائِلُ الَّذِي أَعْطيْتَهُ، وَالمُذْنِبُ الَّذِي سَتَرْتَهُ، وَالخاطِيُ الَّذِي أَقلْتَهُ، وَأَنا القَلِيلُ الَّذِي كَثَّرْتَهُ، وَالمُسْتَضْعَفُ الَّذِي نَصَرْتَهُ، وَأَنا الطَّرِيدُ الَّذِي آوَيْتَهُ

من لي غَيرك يا أبتي يا وطني يا حِصني يا حبيبي؟

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..