خواطري

في الاشتياق إليه

الساعة الأولى: مشياً

أسير إليه منذ العالم الأوّل، فالطريق إلى كربلاء يمتد منذ تلك اللحظة، ومروراً بالنشأة الأولى، ولا ينتهي. يمتَدُّ إلى لحظة اللقاء العُظمى في جنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين. البعض يضيع ويفشل في التواصل مع هذا المسير، يسقط في منتصف الطريق، وأحياناً يضلّ برضاه بحثاً عن مجدٍ آخر بعيد عن الطُهر ابن الطُهر. يهرب إلى الحميم بحثاً عن الماء.

في الطريق إليه فهمت أنّ الشعرَ ليسَ مُجرّد كِتابة قصيدة، إنّما الشعر شعور مُذهل، وأعدت اكتشاف أعظم شِعِر وُجدَ في هذه الحياة، بل أبلغ شعر أشرقت عليه الشمس هوَ حُبّه الذي سكَن القلوب. في الساعة الأولى تُغرس الأمور في محيط الروح، ذلكَ النَفَس الأوّل الممزوج بأنفاسٍ نطقت “آه يحسين ومصابه” يُعاود الظهور معَ كُل هلالٍ مكسّر الأضلاع.

أسير؛ وكثيرٌ من بُكاء في جعبتي. ولكن هل من وصول؟.

الساعة الثانية: بُكاءً.

كلّما قارعني الجهل اتّجهت إلى كربلاء، لأغذّي الروح والعقل. كلّما جهلتُ تقلّبات الحياة ارتميت في أحضان كربلاء بحثاً عن فهمٍ مُتقن لهذه الثواني التي أقضيها هُنا في هذا العالم. كُلما كُسِر قلبي يَممت وجهي اتجاه “وطن” الدمعة. في كُل مكان أقود زمامي إليها عبر كلمات شُعراء نذروا أنفسهم خُدّاماً للحُسين ورواديدٍ اختاروا الحُسين طريقاً في هذه الحياة، وفي عالم المَجاز سمعتُ صوتها “كربلاء” وهيَ تقول: هذا هوَ صوتي. وأظنّها أشارت إلى أحدهم.

تُعطيني المشيئة العُظمى القدرة على البُكاء، تطرد من خيالي كُل فُراق مزيّف سكنني، اضطراب البُكاء على الحُسين (عليه السلام) يحضر في الطريق، في تلك المرحلة أفلت من الزِحام راجياً من المولى أن يُخط على كفني “زائرٌ وخادمٌ للحسين (عليه السلام).

أرى سرداً يطفوا، أتسلّق كلماته لأعانق أحزان عاشوراء، أطوي الطريق نعياً وبُكاءً. أكابر؟ أبالغ؟ لا أنا إن لم أصل أسأل من الله أن يصيّرني عدم.

الساعة الثالثة: وصولاً.

في كربلاء يغرس الوجع خنجره في عيني، يعانق الألم أقدامي، يمارس سطوته العُظمى على بدني الهزيل ، ويمزّق ذكرياتي التعيسة، قرائنٌ تدلّني  على استمراري  في هذه الحياة، على أنني  ما زلتُ  حيّاً.

أنا كُرسي انتظار، أنا دمعةُ رثاء كربلائي، أنا الساكن في غُرفةٍ من طين، أفتّش عن الرؤية الأولى في زيارة الأربعينية كيف كانت؟ كيف تغلغلت في الروح؟ كيف انتشلتني من الرماد؟ كيف رمّمّت جراحاتي التي تفوح منها رائحة الذنب. أبحث عن الدمعة البِكر تلك التي دلّتني إلى سبيله. “روحي” وصلت إليه والهة، غير آبهة لأبوابيَ الموصدة، وَصَلَتَ قبل ضياع العمر في السنين.

××

ما قيمة الوقت إن لم يكن حُسينيا؟

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..