أعمالي

حدّثني الباب

رُوِيَ عَنِ البابِ المَحروق المكسور في شهادته حول ذلك اليوم المشؤوم أنّه قال:

أسودُ اللون هذا الليل، لم تظهر فيه النجوم؛ وضلوعي الخشبية لم تستشعر الهواء فالحياة في خارج الدار تُشبه العدم. لستُ أدري ماذا كان يحصل في السماء العليّة، كُنت أشعرُ باضطرابها، وحرارة غليان الأرض لم تكن طبيعية أبداً، وفي دار “الوحي” كان القرآن يدور في الأفواه النورانية، وصوتُ دُعاء يظهر من خلف الحيطان، يُناجي المعبود الذي لا إله سواه ربّ الأرباب مبيدُ العُتاة الطُغاة. رائحة زكيّة هبّت في لحظة ما وأعقبها كلمات صعبة الفهم ردّدها المولى “علي” لم أفهم منها إلا أنّه يبحث عن الصبر والتصبّر. هُنا هُنا طَرق صدري ذلك الكائن، لم يتوّقف، حرّك أضلاعي، لا بل زلزلها، لم يكن يطرق الباب، بل ضربني بقوّة لم أعهدها منذُ أن سكنت بالقرب من آل المُصطفى (صلوات الله عليه وعلى آله)، وأوقف الضرب بعد أن أشار له ذلك الواقف هُناك ذلك الذي يحمل عصاته بيساره، وقبسَه بيمينه، سرتْ همهمةٌ تُنبئ بخطرٍ قادم، قطع الأصوات صوته وهوَ يصرخ: “وإن!”.

طأطأ الباب المَحروق المكْسور وتزلزل بُكاءً، لكنّه أكْمَل:

أقسمتُ أن أذود عنها إلا أنّ هُناك من كسرني، رفسني بقوّة كبيرة، لم أبرُّ بقَسمي لمعشر الأشجار، سقطت في اختبارٍ مهول، رفسَ الباب بباطن قدمه، فتتّني، تحرّكت المسامير بشكلٍ عشوائيٍ خطير، شيء يناظر الخارج وشيء عُكفَ باتجاه الداخل، وفي الداخل كانت “الطُهر”، لاذت خلفي بحثاً عن مُحامي، ثواني تُشبه السنين، شاهدتهم يتراجعون، تساءلت هل همّوا بالابتعاد؟ لم يسمحوا لي بالحُلم، هجموا بقوّة فاقت سابقتها بأضعاف مُضاعفة، اضطرب الكون، ارتجفت الحيطان، خلتني سأخلع من الحائط، حاولت التماسك، سمعتُ أنينها “عُصِرت” خلف أخشابي، شاهدته بكُل جُروحي وهوَ يرمي بكُل ثُقله عليّ وشعرت به وهوَ يعتصرها من خلفي، حاولت جاهداً حمايتها، عجزتُ عن صدّه، وسمعته سمعته صوتُ كسر الضلع، سمعته وشاهدت الدماء التي سالت، شاهدت الدماء التي تعانق المسمار.

كيف أريق ما تبقّى؟ قالها الباب المَحْروق المَكْسور وأكمل:

“دخلوا ولم يكُ استئذان، إي وعزّة الجبّارِ” دخلوا وأخذوه؛ حملوه بعيداً عن عيني، مربوطاً بالحِبال، والدماء تَغسِل أرض دار “الهُدى”، هُنا بالقُرب منّي شاهدت جثة طفل صغير جداً، في بدنه علامة مسمار، حَملته “فضّة” بعد أن نادتها الصدّيقة “إِلَيكِ يا فِضَّةُ أَسْنِدِينِي”، لم ينتهي الأمر هُنا، خرجت محنيّة الظهر “فاطمة” تلاحقهم لا تزال في مرمى ناظري، رجع لها عبدٌ أسوَد اللون وهوَ يجرُّ بين يديه سوطاً طويلاً يتلوّى على الأرض كالأفعى، حرّك يديه بُغتة فارتقى الخيط الجلديّ ليعانق السماء الكئيبة، تزلزلت الأرض مُجدداً شعرت بالدُوار، فرقع السوط هُناك وهوَ يضرب الهواء وبعد حركة دائرية ارتَدّ على “عضدها” تمزّق حين ارتطم بالنور، سقطت وتفتتّ ما تبقى من حياة في هذه الأرض، فداها الكون. سحبت شهيقاً وأطلقته آهه لا تزال تُسمع إلى هذا اليوم.

××

بعضُ ما كُتب هوَ من وحيْ الخيال بلسان الحال، وكثيرٌ منه واقعٌ أقسى من خيال.

××

 

أما سمعتم صوتَ الكسر؟ أنصتوا ستجدون فيه نداء “آه يحسين ومصابه”.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..