أفكاري

أنتَ مُشَتّت

أغلبنا يُركّز على الاستمتاع في عالم الإنترنت اليوم، أو على الاستماع دونَ الانصات ومحاولة استخلاص المعلومات مما نسمع أو نقرأ، بل على الأغلب الآن أنت مشتّت الذهن، تقرأ الحروف الأولى وتتساءل عن جدوى قراءة ما تبقّى. أغلبنا مُشتت الذهن في حالّة كُنا في وسط عمل ما، أو مع العائلة، في النادي أو حتّى خلال قراءة رواية ما. وإنّي أرجّح -كوني عملت في مجال تنمية الشباب فترة طويلة- أن أغلب الشباب يعيشون وفق هذه الطريقة التي ذكرت “مشتّتين” بشكلٍ ما، وهُم لم يُمارسوا التركيز العميق، وللأسف مما عايشته اكتشفت أنّهم كذلك لا يهتمون بتعليم أنفسهم شيء جديد بين الحين والآخر، بل يكتفون ما يمتلكون من معلومات وتقنيات بين أيديهم، لا يستثمرون في تنمية طاقاتهم ومهاراتهم بل ويُمكنني القول بأنّ “البعض منهم” لا يسعى لاكتشاف ماذا يُحب وكيف يُمكنه أن يطوّر من مهاراته.

الترفيه في عالم الانترنت يأخذ وقتاً كبيراً، يُمكنكم مشاهدة مقاطع اليوتيوب وكيف أنّ الغالبية العُظمى فعلياً لا تستفيد من هذا الموقع بشكل حقيقي، قبل سنين أشرت لأحدهم بأنّ هذه المهارة في البرنامج “….” يُمكنك تعلّمها من اليوتيوب وهذا الشاب إلى اليوم يشاهد مقاطع اليوتيوب لكن.. دون أن يطبّق أي شيء من الفيديوهات التي يشاهدها!، بل وإني أكاد أجزم أنّه يعرف كل المهارات التي هوَ بحاجتها لإنشاء شركة خاصّة في مجال عمله إلا أنّه توقّف عن العمل وانطلق في متعة المشاهدة. هذا ما يُمكنني تسميته “التشتت” إننا في عصر مليء بالفُرص والمعلومات لكنّه فقير بالإنجاز، استبدل فيه الشباب رغبات تحقيق الأحلام بمجرّد مشاهدة أحلامهم عبر شاشات الهواتف.

هل ترغب باستثمار وقتك هُنا؟

إن جودة تعلّمك هيَ ما تُحدد قدرتك على الصراع ضد النمطية التي يعيشها الأغلب، فكُلما ارتفعت جودتك كلّما أحسست بأّنك قادر على تقديم شيء في مجالك وأحياناً في مجالات متعدّدة، معادلة النجاح البسيطة هيَ “عمل جاد + حل المشاكل + تكرار = نجاح” لا تقلق من كلمات الآخرين في بداية الأمر، لأنهم سيُدهشون في ناهية الطريق، وتذكّر دوماً بأنّك تجذب من هُم على شاكلتك في حياتك بشكل عام، إذا كُنت مبدعاً ترى أن المبدعين بقربك، وإذا كُنت فارغاً ترى أن الفارغين يحومون حولك، ولتتخلّص من الفارغين عليكَ باستثمار وقتك، وهوَ أثمن ما تمتلك، فكُل مشاهدة تُحسب لك، إما تدوّن ما تعلّمته أو تطبّقه بشكلٍ ما، وإذا قرأت مقالاً فاقتبس منه ما تُحب وناقش كاتبه بطريقة ما، لا تترك لحظة من لحظات حياتك تمرّ لمجرّد الاستمتاع، بل اصنع خليطك الخاص واستفد لصناعة النسخة الأفضل منك.

حياة استثنائية يُمكنك أن تصنع إذا تخلّيت عن الحياة العادية التي تعيشها، عليكَ التخلّي عن بعض العادات اليومية التي تصنع منك ما هوَ أنتَ اليوم، عليك صناعة عادات جديدة وإدخالها إلى محيط حياتك، ابتكر يومك، أعرف صديق يُمارس التصوير كحرفة لكنّه لا يصوّر بشكل يومي بل بشكل متقطّع، وليحافظ على حدّته في مجاله هوَ يقوم بتعديل صورة يومياً ويمارس المشاهدة الواعية لكل صورة تمرّ عليه، إن يقرأ الصُور بشكل يومي عبر مختلف مواقع التواصل، لنقل إنّه “يدرس” كُل ما يشاهده في هذه المواقع، الصورة السيئة يُمكنه معرفة سبب “فشلها” والصورة الجميلة يعرف سبب “نجاحها” يومياً ودون أن يشعر هوَ تطوّر في العديد من المجالات، ألوان صوره تغيّرت، احترافية صورِه تغيّرت، وأصبح لديه العديد من العلاقات الاجتماعية في مجال التصوير الفوتوغرافي. وهذا جزء من شخصيته التي هيَ اليوم، لم يسمح لأن تكون المُتعة والفُرجة على الصور هيَ الأهمية القصوى في يومه، بل التعلّم هوَ من لديه الأولوية في حياته.

وهُنا أتذكّر كلمة الدكتور محسن الرملي في أحد الوِرَش التي حضرتها له “إن ُكنت تُريد أن تكون كاتباً مميّزا فاقرأ بشكل مُختلف” وهذا الأمر يحتاج إلى تدرّب يومي، فالقراءة التي نغوص فيها لفهم أسلوب الكاتب وطريقة استعراض الشخصيات تحتاج إلى وقت مضاعف وتركيز أكبر من القراءة العابرة التي نضيّع فيها أوقاتنا بشكل ما. في أيّ مجال كُنت تريد التطوّر عليكَ بالانتقال من مرحلة المُشاهد إلى الدارس لكل ما هوَ حوله.

نحوَ غَدٍ أفضل، ابدأ الآن.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..