مميّز

(ع) (ل) (ي) ذلِكَ الذِكْرُ الشّجِيْ

(ع) (ل) (ي) ذلِكَ الذِكْرُ الشّجِيْ، لا خَوْفَ مَعَهُ لِلمُتَّقينْ، الذينَ جَزَعوا وَأقاموا العَزاءَ وَمِنْ أَموالِهم يَبْذُلُون في إحياء أمره، والذين أرخصوا الدُموعَ لمّا نَزَفَ الذِكْرُ الحكيم وَأسَالوا الدّماء، هُمْ هُمْ بِالآخِرَةِ يُوقِنونْ، عَلى هُدىً آمَنُوا بِأَنَّ عَلِياً وَصِحْبهِ هُمُ المُفْلِحونْ.

أعمالي

يا علي حتّى انقطاع النَفس

(قبل البداية)
بسم الله الرحمن الرحيم، بسم ربّ الأشياء، بسم ربّ الكتابة، بسم ربّ الحرف، بسمك اللهم أفتتح كلماتي يا خالق الحُب، يا خالق الأحباب، يا رزّاق، هبني بياناً أنال فيه درجة عُليا بحق من دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى، بحق من هوَ الأمجد صانع الحضارة الأجمل، سيّدي ومولاي من اقترن اسمه المقدّس بأعظم الأسماء الحُسنى، النبي الأعظم، الرسول الأكرم محمّد بن عبدالله صلواتُك ربّي عليه وعلى آله الميامين الذين أطرق أبوابهم بحثاً عن يدٍ تحنو عن على عبدٍ فقير لا يمتلك إلا الحرف ليقدّمه في محضرهم المبارك، وأسأل منكم أيّها الحضور البهيّ أن تُعينوني بإهدائي صلوات محمّدية علويّة بأعلى أعلى أصواتكم.

(1)
قال لي: في أيّ مكان؟
قُلت: هُناك حيث أنتَ أدرى
قالَ وهو يُمسك بيدي: وماذا قُلت؟
ردّدت: يا علي يا علي يا علي يا علي .. حتى انقطاع النَفس.

“ياعلي” .. نرتبط فعلياً بهذا النداء منذ البداية ولا نتوقّف عن ترديد هذا الوِرد المقدّس، في كُل لحظة تقارعنا فيها الصِعاب نندب بلا خجل أو فُتور ونقول “ياعلي” فتُحل عُقد المشاكل وتنجلي الهموم عن صدورنا، هذا الارتباط له حضور فِعلي في حياة كُل مؤمن حمله قارب ذكرياته الأولى إلى مرسى أسمّيه مَجازاً “صوتُ أمي” حين قالت “ياعلي” فنُفخت الروح في بدني، هوَ الصوتُ الأول هوَ الذِكرى الأولى هوَ الحكاية الأولى التي تعلّمتها في مدرسة الحياة، بعد كُل سؤال كانت الإجابة تتكشّف بـ “ياعلي”، بهِ نُستعين ونُعين، كُل من تعاهد معه في النشأة الأولى نجده مع العلامة التي تميّزه، ففي كل حركاته وسكناته تُسمع نبضاته وهيَ تهتف بـ “ياعلي”، لا نهاية لهذه الكلمة، تمتَد حتّى ساحة المحشر، بل وتمتد حتّى نرد الحوض ونُسقى بكأسِه الأوفى.

(2)
فاستوقفني وقال لي: من هذا الذي تنادي؟ أجُننت؟
فقلت: لا أعرفه حقّ المعرفة، لكنّي جُننت بحُبّه، فإنّي أمتلك علماً “عن” علي.

بهذا القليل صارَ قلبي مُحصّناً بحبٍ صاحب لواء الحمد، فَفي حضور اسمه المُعظّم لستُ أدري هل أبقى واقفاً أم أركع أم أسجد شُكراً؟، أنا في حضرة آلاف الأنبياء والحُكماء أولئك الذين عاشوا في هذه الأرض، أولئك الذين في قصصهم “أحسن القَصص”، أنا في حضرة “آدم” والأسماء التي عُلِّمها، أنا حضرة هُدهد “سُليمان الحكيم”، أنا في حضرة “يوشَع بن نون”، أنا في حضرة “هارون بن عمران” وبنيه شُبّر وشبير ومُشبّر، أنا في حضرة “عيسى” رُوح الله، أنا في حضرة من هُوَ نفسُ حبيب الله “محمّد بن عبدالله” صلوات الله عليه، أنا في حضرة “علي بن أبي طالب” عليه السلام؛ عاجزٌ أقف أمام حُروفِه؛ فبـ “عين” اسمه عيوني يُكشف لها الغطاء، وبـ “لامِه” لستُ أدرى كُنه ذاتِه ما هُو، وبـ “ياءِه” يا حسرةَ من لم يعشق علي، من لم ينادي “اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله” يا حسرة من لم يُنادي “مولاي عليّ خير ولي” والله يشهد.

(3)
قاطعني وقال: أأنت مُتيّم إلى هذا الحد؟
فقلت: لا بل أكثر، أنا يومي لا يكتمل إن لم أقل “ياعلي”.

جمّر الرغبة، فتح صندوق أمنياتي، لم أنسحب على عادتي إلى الصمت، بل افترشت الأرض، لأتحدّث عن سيّد الأرض من هوَ من الرسالة المُحمّدية كقطب الرحى، سيّدي عُد إلينا يا عدالة الرّب المُطلقة، عُد وانظر حالَ عيالكَ في هذه الأرض، مُستضعفين في كُل مكان، سيّدي صارت الأمطار حمماً وتحوّلت الوديان جحيما، سيّدي ضاقت بنا الوسيعة لم تعد لنا قُدرةٌ على التنفّس، لهبُ الطُغيان يحيط بنا، فكُل زاوية فيها قاتلٌ بغيّ يبحث عن دمنا الممزوج بالحُب، صارت الأيّام بطول رُمحٍ مُدبّب الرأس، عُد إلينا يا فارس الإسلام، آلامنا لم تعد تُطيقنا، أبداننا لم تعد تحمل حملنا، أرواحنا المنهكة مُلقاة على عتبة بابك سيّدي، والليل الكبير حلّ وخناجِرَهم لمَعت.
أضعت من بعدِ الوَجدِ لُغتي، وتراكمت أشلاء الكلمات النازفة فوق مِحبَرتي، فمن لي سواكَ يا سيّد اللغة والبيان، من لي غيرك يهبني القُدرة على الكتابة أكثر؟ سيّدي أنا إن يئست رفعتُ دموعي إليك.

(4)
فقال والخوف يملأ عينيه: تائهٌ أنت!
قلت: ومن لا يتيه في محيط حُب عليّ؟

أعترف أنني تائه في مُحيط “حيدر” بل هوَ أكبر من مُحيط هوَ “عالمٌ أكبر”، وإني لا أتقن إلا فنّ اسمه “حُب عليّ” وهذا الفن أعتبره عُنصر من عناصر تكويني الإنساني، إني أحبّه حُباً خالداً أزلياً لن يُخلع عنّي إلا إن شاء هوَ وطردني عن جواره أنا المُسيء، هذا الحُب متمازج مع طينتي الأولى.
أعترف أنني لا أتمكن من شرح هذا الحُب عبر الكِتابة أو عبر الكلمات المنطوقة، فحُبه عمل وعطاء، حُبه أسلوب حياة، كُل شيء في هذه الحياة قابلٌ للشك إلا الحُب الفِطري هذا، وإن أردت تقريب معناه لكم، هوَ أجمل من حُب الأم لأطفالها، هو يُعطي معنى لهذه الحياة، في كُل حُب في هذه الحياة يكون المُحِب هوَ الطرف الأضعف إلا في معادلة حُب الإمام الهُمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يَكون المُحب قوياً قادراً على مقارعة الحياة بأسرها، بل يكون قادراً على مجابهة لُجج عالم البرزخ، هذا الحُب منهج حياة.

(5)
قالها مبتسماً: أتعني أن الحُب هوَ الجُذور؟
قلت مستبشراً: وصلنا يا صاحبي، الحُب هوَ علي.

هوَ الكنز الدفين في نفوس البشريّة، هوَ السرّ الذي أبقاها بعد طوفان نوح، هو علّة الإيجاد، حاضرٌ هوَ في كُل زمان، منذُ الشهقة الأولى لجدّنا آدم، وإلى ما بعد نفخة إسرافيل في الصُور. مصيرنا مُرتبط بقدر ارتباطنا به، فكُلّما كُنا أقرب، كُلّما أحبننا عليّ، كُلما اقتربنا من نهج النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) كُلّما فهمنا ” قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ”.
أحبّك سيّدي. فإني أعدُ ساعات حياتي لا بالثواني بل بلحظات ترديد اسمك المقدّس على لساني يا علي، أعرفها هذه الحياة التي تستحق العيش من أجلها هيَ الحياة المليئة بك يا مولاي يا أميرَ المؤمنين يا علي.

(6)
قال لي: ما صنيعك في هذا الليل؟
قلتُ: ما بعد فصل الحُب يحلّ علينا فصل الفِكر.

وتكفي الإشارات هُنا لا التصريح والإطالة. استخدم قُطب الوجود سيّد الكائنات أجمعين رسول الله (صلى الله عليه وآله) كُل ما هوَ في صالح خطابه الأخير، فالمكان كبير وتُحيطه الجِبال، والأرض بسيطة، واعتلى أقتاب الجمال، وتحدّث بخُطبة قلّ نظيرها في التاريخ الإسلامي الحافل بالخُطب البديعة، توحيد وعُبودية، وحرّك يده كثيراً حتّى رفع فيها يد المولى أمير المؤمنين (عليه السلام) لتعانق السماء ولينظر إليها من حضر من العالم الإسلامي ويبلّغ كُل من لم يحظر، خطاب بيّن فيه نبيّنا الكريم (صلوات الله عليه) عُصارة الإسلام وخُطورة الأمر، حتّى دعا النبيّ العَربي (صلوات الله عليه) ببيان فصيح: “اللهم والِ من والاه” كلمة خرجت من العقل الكامل، وأكمل بكلمات لا يعي خطورتها إلا من فَهم مصدرها “وعادِ من عاداه” فكُل من يُعادِ علياً عدوُه الله.
قراءة واحدة في تاريخ كلمات خاتم الأنبياء والمرسلين (صلوات الله عليه) تجعلنا نعي ونفهم جُزء ممن هُو في “أم الكتاب” “عليٌ حكيم”. قراءة واحدة في حياة “محالَّ معرفة الله” تجعلنا حقاً نُطأطئ الرؤوس، فمن أرادَ الله “بدأ” بهُم (صلوات الله عليهم) أسُّ الخليقة، وختامُ كمالها.

(ما قبل الختام)
مساؤكم عيداً لا ينتهي، فمنَ كان مولاه النبي (صلى الله عليه وآله) فمولاه نفسُ النبيّ فتى الإسلام الخالد وأسد الله الغالب غالب كُل غالب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مساؤكم سعادةً لا تتلاشى في غدٍ، رغم كُل الدمار المُحيط بنا، رغم سُعار الحياة وجحيمها، تبقى السعادة في قلوبكم مطمئنة بِذكر “عليّ” محميّةً به إن شاء الله.

(استدراك أخير)
وآخر دعوانا أن الحمدلله ربّ العالمين، وكُل عامٍ وأنتمُ بعليّ أنقى وأجمل، كُل عام وتاج الولاية يتوّج حياتكم يا خدّام أهل البيت (عليهم السلام). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء محمّد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

××

ألقيت هذه الكلمات في احتفال الحُسينية المهدوية في يوم عيد الغدير المبارك، وإن شاء الله إن توفّر لي ملف الفيديو أزوّدكم به ..

أفكاري

أكثر من مهارة! – هل يمكن الاتقان؟

هل يمكننا أن نتقن أمرين؟ هل هذه الحياة تكفي لمثل هذه الأمور؟ بل وأحيان أخرى أكثر وأكثر، ماذا عمن يقول بأنّك لن تتمكن من ذلك؟ هل هوَ على حق؟ هل يمتلك الدلائل التي تشير إلى فشلك الحَتمي؟ سأخبركم القصّة التي عشتها وإلى اليوم ولكم كامل الحُريّة بكُل أفكاركم عن هذا الأمر. 

خواطري

تـيـه

أينَ أخبّئ صرخاتي؟ كيف أمسح دمعاتي؟ صرخاتي هزيم رعدٍ يكرر نفسه في كُل مصيبة، دمعاتيَ خناجر خرجت من عيني لتوسم خدّي بالجروح. يحيط بيَ منظر القتلى وأشلاؤهم المتناثرة بعد الصلاة، صاروا تعقيبات واجبة!، تحيطني لقطات الأمهات الفاقدات أتذكّر لحظة “يمّه ذكريني من تمر زفّة شباب” ولا تخرج من خيالي لحظة “لا ليلي ليل الناس لا تغمض العين”، إن القَتل مزّقنا فيما مضى ولا يزال، واجتمعنا على مائدة التضرّع والنداء بحق من هوَ المُضطر المُجاب إذا دعاه.