خواطري

في الاشتياق إليه

الساعة الأولى: مشياً

أسير إليه منذ العالم الأوّل، فالطريق إلى كربلاء يمتد منذ تلك اللحظة، ومروراً بالنشأة الأولى، ولا ينتهي. يمتَدُّ إلى لحظة اللقاء العُظمى في جنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين. البعض يضيع ويفشل في التواصل مع هذا المسير، يسقط في منتصف الطريق، وأحياناً يضلّ برضاه بحثاً عن مجدٍ آخر بعيد عن الطُهر ابن الطُهر. يهرب إلى الحميم بحثاً عن الماء.

أفكاري

أنتَ مُشَتّت

أغلبنا يُركّز على الاستمتاع في عالم الإنترنت اليوم، أو على الاستماع دونَ الانصات ومحاولة استخلاص المعلومات مما نسمع أو نقرأ، بل على الأغلب الآن أنت مشتّت الذهن، تقرأ الحروف الأولى وتتساءل عن جدوى قراءة ما تبقّى. أغلبنا مُشتت الذهن في حالّة كُنا في وسط عمل ما، أو مع العائلة، في النادي أو حتّى خلال قراءة رواية ما. وإنّي أرجّح -كوني عملت في مجال تنمية الشباب فترة طويلة- أن أغلب الشباب يعيشون وفق هذه الطريقة التي ذكرت “مشتّتين” بشكلٍ ما، وهُم لم يُمارسوا التركيز العميق، وللأسف مما عايشته اكتشفت أنّهم كذلك لا يهتمون بتعليم أنفسهم شيء جديد بين الحين والآخر، بل يكتفون ما يمتلكون من معلومات وتقنيات بين أيديهم، لا يستثمرون في تنمية طاقاتهم ومهاراتهم بل ويُمكنني القول بأنّ “البعض منهم” لا يسعى لاكتشاف ماذا يُحب وكيف يُمكنه أن يطوّر من مهاراته.

أعمالي

على ضفّة ما تيسّر من طفل

الليلة تتقاتل البدايات مع النهايات، وتتخطّى فيه الأمنيات صوتَ العُطاشى لتستودعه بكلماتٍ تخطّت التاريخ وامتدّت إلى اليوم، نداؤهم الممزّق، نسمعه في كُل لقاء مع الماء يُنادون والأنين يُلاحق كلماتهم “يعبّاس جيب الماي لسكينة”، هل نبكيك يا سيّد الماء أم تبكيهم؟ أومثلهم يستحق العَطش؟ ازرع الارتواء على ضفّة ما تيسّر من طِفل. 

أعمالي

[ قصّة ] الأستاذ ذو الشارب

خرج أستاذ “أحمد” بعد حصّة رياضيات مملّة، وبدأت الأحاديث المُعتادة يومياً بين الحصص، أصوات متداخلة يعتليها صُراخ “سعد” المتواصل وثرثرته المُعتادة حول وجود “سنافر” في حديقتهم الخلفية وفي كل يومٍ يُقسم بربّ العزّة بأنّ “شرشبيل” تمكن من الإمساك “ببابا سنفور” وأنّه سيُساعده بعد الانتهاء من المدرسة. وقبل أن ننفجر ضاحكين دخل أستاذٌ جديد، بشاربٍ كث، وزّع أنظاره بسرعة خاطفة، سرت رعشة كبيرة في أوصالي، رميت المسطرة التي كُنت أتلاعب بها، وقفتُ لا شعورياً، سمعتُ همس سعد وهوَ يكملُ قسمه لجاسم بأنّه سيتمكن من انقاذ “بابا سنفور”، تحرّك الأستاذ بهدوء بيننا، ينظر إلى طاولاتنا تارةً وإلى الوجوه تارةً أخرى، وصل إلى سعد، استدرت لأرى ماذا سيصنع هذا الرجل الغامض، همسَ في أذن سعد، اعتدل ثُمّ أدار وجهه في الفصل، جال بصره نَظَرّ إليّ في عينيّ مباشرةً وأظنّه تمكن صنع هذا الأمر مع الكُل، حرّك يده بسرعة خاطفة، صفعَ سعد على وجهه، صرخَ بصوتٍ يُشبه الزئير: لا أريد سماعٍ صوت أنفاسكم. مفهوم. فأجبنا بالإيماء. أعاد الصُراخ بذات النبرة: جُلوس جميعاً.

صوتُ شهيق سعد المختلط بالبُكاء لا ينقطع، وفي كُل مرّة يأخذ شهيقاً عالياً يوجّه أستاذ “العربي” نظرته إليه فيخفت صوته، كأنه يَدوس بنظراته على أنفاسه. يُردّد الآن أكتبوا، فننسخ ما في اللوحة، لا ينتظر أحد، يقول: اتركوا الأقلام، فنتركُ الأقلام ونرفع الرؤوس لننظر إلى وجهه المُختبئ خلف شاربه، يُكمل حديثه بنبرةٍ هادئة يلتفت إلى اللوحة يُمسك مُجدداً بأعواد الطباشير ويضغطها حتّى تتكسّر. لم أتمكن من الالتفات بل لم أفكّر طوال حديثه بتحريك رأسي حتّى للأسفل لأحاول قراءة شيء، أشعر بوخزةٍ صغيرة كُلّما استدار الأستاذ إلى “اللوحة” ليخط عليها بعض الكلمات، حرّكت يدي إلى الخلف وإذا بمسطرة “علي” مغروسة في خاصرتي، أدرت وجهي لأوبّخه، همستُ ورجلي تهتَزّ: توقّف. فاصطدم رأسي بشيء، فتحت عيني وأنا مُلقى على الأرض وبجانبي كتاب، وصوتُ مُتقطّع يدخل في أذني عُنوةً: الحمار (…) يتحدّث (…) أنا هُنا.

×

مشاركة في ورشة كتابة الشخصيات التي أقيمت في مكتبة تكوين – وقدّمها الروائي د. محسن الرملي